كارما


كم مرة رفعت روحك إلى السماء وأدركت أنك لست مسيحًا لتُفتح لك أبوابها، فتسقط أرضًا ويشير نردك إلى خسارة رهانٍ آخر؟

الله خلق رهانًا واحدًا فقط مسموحًا به، وحرّم ما دونه؛ هو رهان الآخرة: إما أن تجد نفسك رابحًا للأبد أو خاسرًا للأبد، وحرّم كل رهان قد يجعلك تفوز أو تخسر لبعض الوقت.

لا بدّ أن له حكمة في ذلك، ستجدها في النهاية في كتابك الأخير حين تناله بيمينك أو يسارك، وفي صفحاته ستجد شرحًا تفصيليًا للعبة الله الكبرى، ولكن شرحًا أخيرًا بلا أي محاولات إصلاح.

في غرفةٍ سقطت سهوًا من قاموس أشعة الشمس، ووجهٍ سقط عمدًا من قانون الحظ، تجدها ملقاة كاشفة عن جسدٍ عارٍ لا يُرى منه سوى عثرات وسقطات منحوتة على خطوط جلدها؛ تتمنى لو تنال جينًا من جينات الأفاعي فتغيّر جلدها، لكن تلك هي الحياة: مرة واحدة، وفقط مرة واحدة، وأبدًا.

كارما تغطّ في حزنٍ عميق وأملٍ بعيد عن مسيحٍ قادمٍ مخلّص. سؤال واحد لا إجابة له: ألستُ أستحق حياةً أخرى أم إنني أبحث عن الحياة في طريق الموت؟

ليلة أمس، في الثانية قبل الفجر، في «كاب دور»، حيث موسيقى الجاز ونبيذ عمر الخيام الأحمر دائم الطلب، حتى إن موريس اجتهد كثيرًا وأصبح يقدّم لي المشروب يوميًا بقولة جديدة؛ كانت أفضلها اليوم:
 «أفِد من الروح قبل فوات الأوان»
، بابتسامة حنونة وجفنين منسدلين على عين شاهدة على أوجاع السكارى والمدّعين في كثير من الأوقات.

في تلك الليلة صاح أحدهم في وجه كأس البيرة الممتلئ عن آخره: «الملل معتق هنا أفضل من النبيذ». تحرّك إليه سمير - نادل موكّل بالتعامل في مثل هذه المواقف- : «أقدر أساعدك؟ اطلب وتمنَّ». كاشفًا عن جهاز تحكّم الإنسولين بابتسامة بلهاء، منهِيًا الكأس في شربة واحدة: «انزعه عني، يكفي أن أموت سكرانًا لا منتحرًا».
ابتسم سمير وربّت على كتفه، وأشار إلى موريس لتحضير طبق من المكسرات المملّحة وبعض قطع الخضار كي يؤخّر الكأس التالي قليلًا؛ استراحة مخمور.

أسند خدّه الأيسر إلى الطاولة، محدقًا بعين تقاوم النظر إلى كارما، وابتسم شاهرًا باليد الأخرى مسدس روليت روسي الصنع به رصاصتان ، ووضعه على جانب رأسه الأيمن.

 اقترب منه سمير بسرعة البرق محاولًا السيطرة على الموقف، وأسقط موريس كوبًا زجاجيًا كان ينظفه، أمّا كارما فأكملت رشفتها الأخيرة وابتسمت قائلة في نفسها: 
«وأخيرًا أقبل أحدهم على الرهان الأخير الذي لم أختبره أبدًا».
«ابتعد وإلا…» أصدر صوتًا بفمه معبّرًا عن صوت انفجار مخ.

«اهدأ»، قالها سمير فقط وهو يشير بكلتا يديه مبسوطتين ناحيته.
- من يريد اللعب؟ مقامرة الموت والحياة؛ الخمر مع تلك الموسيقى وتلك الوجوه المملولة لا تُسكر بل تُلهب الجراح يا حمقى، وهؤلاء يدركون ذلك بلا شك. من يودّ لو يعيش يومًا واحدًا دون أن يرى نفسه أحمق؟

«أنا»، تحرّكت كارما.
جذبها موريس من ذراعها: «لعبت الخمر بعقلك؟» اقتربت منه بهدوء عاقل، منحته قبلة على راحة يديه من الداخل ووضعتها على شفتيه: «جهّز لي عمر خيام آخر».
تحرّكت نحو طاولته وجلست أمامه. اعتدل في جلسته ووضع المسدس قائمًا بينهما: «تعرفين الروليت الروسي؟» أومأت برأسها: «أجيد كل أنواع القمار». 
رفع حاجبه في دهشة، فتح المسدس وأخرج رصاصة منه وأبقى الأخرى فيه، وأدار الروليت دورتين كاملتين حول نفسه.
قال: «سنغيّر قليلًا في قواعد اللعبة؛ لكلٍّ منا محاولتان: إمّا رصاصة تستقر في قلبك أو لا شيء. سنغيّر اللاشيء إلى سرٍّ خاص ينكشف».
تحرّك سمير نحو موريس: «نحن على وشك كارثة… اطلب النجدة». منعه موريس: «كارما هناك، لا تقلق». 
كان موريس حالِمًا أم مملولًا؟ لا يرى فيما كان يفكر حين منع سمير من التصرّف الوحيد المنطقي في موقف كهذا؛ جريمة قتل على وشك الحدوث. «مجنون، سأتصل بالنجدة»، قالها سمير وهو يزيح موريس من أمامه.
أخرج موريس من جيبه سيجارة، وصبّ لنفسه كأسًا من نبيذ عمر الخيام الأحمر، وأبقى في الزجاجة كمية تكفي لكأس آخر وأحكم إغلاقها: «كن سعيدًا في هذه اللحظة، فهذه اللحظة جزء من حياتك». «عفوًا يا سيد عمر الخيام، سأغيّر مقولتك هذه اللحظة: الآن ستصبح كل حياتك، وليس جزءًا كما كنت تقول». هكذا حدث موريس نفسه وهو يراقب كارما تخطو للموت او الحياه أيهما أقرب!

الحادية عشرة صباحًا، في إحدى القرى، وجد أحد الفلاحين فتاة بملابس المدرسة تقفز من بين يدي والدها — الذي يجرّها جرًّا إلى الهاوية — «الزواج المبكر… ستره». قالتها وهي تقفز إلى الترعة الجارية نحو مصرف على بوابته أسياخ من الحديد لن تُبقي عضوًا في مكانه.
في تلك اللحظة جرى عمّ سليم وسحبها من المياه الجارية وهدّأ من روعها وأعادها إلى والدها، الذي شُلّ جزئيًا قبل أن تمنحه الحياة شحنة كهربائية جديدة لحبله الشوكي ليقوى على الحراك مرة أخرى. قال وهو يلملم حروفه: «يا بنت الرافضي، عاوزة تجيبلنا العار… أكيد حدّ فضِك ولا ضحك عليكِ. والله تتجوزي الليلة وأقتلك بإيدي لو اللي في بالي صحيح».

قامر أبوها على شرفها، وقامرت هي قبله على حياته؛ خسرا سويًا ففاز ممدوح. القدر يلعب لعبته برشاقة دائمًا، يفوز المشاهد أكثر بكثير من اللاعبين. هذا المشاهد فاز بجسدٍ يخفي بداخله طفلة لم تكمل الرابعة عشرة، تملك منحنيات وروحًا لسيدة في أوج أنوثتها.
أغلق ممدوح عليها الباب، وفتحته هي بعد عشر سنوات مطلّقة، منعوتة بالعقم والبرود الجنسي، وأبوها رفض استقبالها في منزله مرة أخرى: «ما عندناش بنات تتطلّق».
راهن ممدوح على رحمها وخسر، راهنت هي علي فطرة الأبوة وخسرت، لكن القاهرة فازت بكارما بين جنباتها بهوية ريفية وقلب صبية مبتورة الجذر.

«يا سيد الروليت، انتهت الثلاثون ثانية الخاصة بي. الآن دوري، أعطني المسدس، ولكن أخبرني ما اسمك؟» قالتها وهي تداري بابتسامه دمعة سقطت عنوه 

«سيد الروليت اسم جميل… هيا اضغطي». قالها وهو يغمض عينيه تأهبا للموت المحتمل .

الواحدة ظهرًا، محكمة الأسرة. آدم ملقى على كرسي خشبي متكوّمًا، يغطّ في نومٍ أول بعيدًا عن سريره، خاليًا من دفء أبيه وأنفاس أمه إلى جواره، وفي الداخل يمزقان بعضهما إربًا من أجل إثبات شيء واحد لا ثاني له: إنهما لم يكونا جديرين سوى بقطم التفاحة، وأن الجنة رهان صعب المنال، وأن آدم سيدعو ربّه أن يلقيه كلمات فينام عليها هانئًا دون الحاجة إلى أبوين ممزّقين.
سكير وضيع لا يبرح أسرة العاهرات، وأم لا تهتم سوى بورقٍ ملوّن يُلقى لها بداية كل شهر، وممزّق آدم على الأعراف؛ لا مكان له في جحيم أبيه، ويرى أن الجنة التي تريدها أمه هي وجه أقل حدّة من جحيم والده الصريح.
وكأن آدم مكتوب عليه أن يكون نباتًا ربانيًا لا أب ولا أم له، يبحث عن حواء ويتعثّر في إبليس يخرجه من الجنة، أمّا الآن فإنه يحتاج إلى إبليس حقًا، لكن ليخبره أن هناك جنانًا لا خروج منها أبدًا.
«تحاول الانتحار يوميًا بيد غيرك يا سيد الروليت لأجل حياة قتلتها أنت عمدًا… لن تموت بالطريقة التي اخترتها أنت». قالتها حانقة وواثقة تضغط علي حروفها كما لو تمنت ان تستبدل الحروف رصاصات 
«دورك». قالها بحزم وهو يوشح النظر عنها لاعلي برقبة ممدوه يتدلي منها ترهلات الزمن .

وجّه فوهة المسدس ناحية مقدّمة رأسها، فحرّكته هي إلى منتصف صدرها بميلٍ قليل إلى اليسار. موريس يبتسم في هدوء ويرتشف آخر ما تبقّى من عمر الخيام، ويخرج من أسفل البار كوبًا جديدًا يمسحه جيدًا، وطبقًا يضع فيه مكسرات مملّحة، ويبدأ في تلميع زجاجة النبيذ المتبقّي بداخلها كمية تكفي لكأس أخير.

جروبي وسط البلد الرابعة عصرًا — النادل يضع القهوة وقطعة من الكيك الإنجليزي بجوار الشاي على طاولة بها قلبان يخفقان للمرة الأولى ويبدو والأخيرة. فتاة في السادسة والعشرين من العمر والسنة الأولى من الحياة، وشاب لم يفضّ بكارة قلبه بعد. تعرّقت يداه وهو لأول مرة يعترف لها أنه يحبها، وهي نفخت فيها من روحها فأصبحت بيضاء تمسح بها قلبها الملطّخ بنكبات الدهر. يبدو أن رهانًا ما ونردًا ما سيبتسم لكارما أخيرًا، وأن عجلة الروليت هذه المرة ستقف على الرقم الخاص بها.
هذا باعتبار أنه صادق فيما اوصل لها من مشاعر لا انه يملك عجلته يديرها كيف يشاء، لكن الحقيقة أن كارما قروية مطلّقة وهو قاهري أعزب، كان فقط يريد سريرها ليجرّبه تحت مظلّة الحب الأول، وأن وعوده كانت تبريرات لتقبل بفضّ بكارته بداخلها، وأن تعرّق يديه كان رفضًا جسديًا لكذبته، لكنها لا تدرك لغة الجسد، وأن يده لم تكن بيضاء من نفخة روحها بل من هروب الدم خوفًا من أن يخسر رهانه عليها. تدير عجلة الروليت ظهرها لكارما في اللفة الأخيرة.

كاب دور الرابعه فجرا - موريس علي وشك فتح زجاجة نبيذ لسكير جديد و سمير يترقب و الباقون كل يميل كما يميل النخل مع موسيقي الجاز وبداخله أحزان بلا جدوي او فراغ يغرقه في غياهبه و في الطاوله الوسطي كارما و سيد اخر يطوف حولهما عزرائيل ينتظر قرارا الهيا حسم مسبقا 

 «تمنّي أمنية يا سيد الروليت».
قالت كارما واثقة 
«آدم بلا حواء».
قال السيد مترجيا 
«رهان آخر؟»
قالت كارما بخوف مثقل بتجارب الماضي 
«بل حياة أخرى وحب لا يبلى».

قال السيد بأبتسامة رضي و ثقة السنين التي نهلت منه 

«وإن خسرت؟»
قالت كارما بأسي 

-هذه آخر رصاصة، تعرفين أين مستقرّها دون رهان آخر. فقط ضعيها في قلبك وأخبري ربك أن سقوطك الأول في مجرى المياه كان لا- بد أن يكون النهاية المثلى، وذنبًا في رقبة الأب لبقية حياته يجعله يقدم كل ليلة على الانتحار ولا يستطيع حتى أن ينسى ما فعله بكِ عمدًا
 قال السيد بوعد صادق وقلب يدق دقاته الاخيره .

أدار فوهة المسدس إلى قلبه وضغط الزناد، فانطلقت الرصاصة، وكسبت كارما رهانًا للمرة الأولى، وخسر هو للمرة الأولى.

«كأسك».
يقدّمه موريس إلى كارما أمام جثة سيد الروليت المغطاة بالدماء أو النبيذ؛ لا تدري أكان هذا الصوت صوت الرصاصة أم صوت فتح زجاجة نبيذ جديدة — فتحها موريس توًّا لأحد الزبائن.

 لا تتذكر كارما الحقيقة كاملة وهي تروي لآدم كيف كانت آخر لحظات إبليس الذي أخرجه من جنته وهو بين أحضان حواءه أخيرًا.

تمت -

Comments

Popular Posts