الدبلة
"1"
أكتب إليك رسالتي الأولي , عزيزتي القريبة
البعيدة , صعبة المنال سهلة الدلال ....
"
إنها في الواقع الرسالة الأولى لكنها التجربة
رقم خمسمائة هذا اليوم فقط ، يتضح ذلك اذا انتقلت بعينك الى هذا الركن من الغرفة حيث
انفجر بركاناً من الورق خارج فوهة صندوق
بني مفتوح ، عدد الورق قد يدل علي عدد المحاولات البائسة لكن شكل الورق يوحي
بالضعف المتمثل في انه لا يقوى علي عصر الورق بيده لكنه يضعه كما هو ، و كأنه يخش
ان تنكسر حروف اسمها .
"2"
أخبرته ذات ليلة وهي تدير دبلتها في يده ان
الفراق أمر طبيعي وقد يحدث في أي وقت لأي حبيبين , لكنهما اذا افترقا ستكون نهاية
الحب من العالم . اخبرته و هي تنظر الي صفحات المياه بجوارها انه انقى من صفو
المياه عندما تذهب بسر وتخفيه عن العالم
وتأتي لتأخذ سراً جديد ، أخبرته انه سرها و ان تلك الموجة الراحلة تحمل في طياتها
وصفه التي اخفته عن العالم و تركته للأمواج تبحر به الى شاطئ مجهول يدعي ب "
شاطئ الاسرار "
"3 "
يجلس وسط كل أصدقائه مصدر للسعادة , نظرة من عينيه لها طابع خاص في ان تطلق
صريخاً من الضحكات , ذات مرة اتكأ علي كتف أحدهم و أخرج من جيبه علبة سجائره و
ولاعة فضية وميدالية مفاتيح و أخذ يقلبها في يده هائماً غير مرتاح البال شارداً , عيناه تفقد بريقها تدريجياً تلاشت
الانوار داخل سوادها , اطرافه هربت منها
الدماء فأصبحت جبلاً من الصقيع ، جاءت لفحة هواء أسقطت المفاتيح أرضاً لكنه لم يلاحظ ، فقط اغمض عينيه وابتسم و وضع
يديه تحت إبطيه قائلا : أنسم من هذه
اللفحة اذا حلت في نهار شديدة الحرارة . التقط صاحبه المفاتيح فأصدرت صوتاً نبهه انها ابتعدت عنه ففتح عينيه بسرعة و خطفها
من يده .
"4 "
-
ماذا عن أن الفراق سينهي الحب من ...
-
إششش ، الكون خُلق ليكون مقبرة الوعود .
-
لكنكِ , اقصد أنا لم ,, اريد ان اقول ,, لا أعلم , ماذا
يحدث؟ ,, أين نحن . " كان واضحاً
جلياً انه يهذي "
-
اهدأ , النسيان
نعمة يا عزيزي لا تقلق .
-
من أخبرك اني أريد هذه النعمة ، سأقلق حقاً اذا لم نكن
في كابوس ، حسناً يا الله نبضات قلبي تتسارع
, حان وقت إيقاظي ، هيا هيا هيا
" يضرب بيده الطاولة بشدة "
أنتزعت دبلتها بصعوبة و وضعتها أمامه وهو ينظر الي صفحات
المياه الراكدة .
-
تحركي ...هيا تحركي ! اذهبي الى شاطئ الاسرار و تأكدي ان
احداً لم يتطلع علي سرها ...هيا تحركي .
استدار بوجهه لم يجدها ، مقلتاه كادتا ان تهرب من كهفهما
و هو يحدق في الدبلة الموضوعة امامه ثم إنفجر يصدم رأسه بالطاولة مراراً و تكراراً
, " هيا ايقظني ... هيا أيقظني أرجوك ،،هيا " تساقطت الأشياء من علي الطاولة حتي استقرت
دبلتها فوق ميدالية مفاتيحه على الأرض .
"5"
المار بجوار المقهى كان من السهل عليه ان يدرك مصدر
الضحكات التي تنتقل مع الهواء خارج المقهى ، حتي إن كنت لا تعرفه بمجرد ان تسقط عينيك عليه او تلامس طبلة اذنك
نبرة صوته الساخرة ستضحك , لكن اليوم يبدو ان احداً قد حسده , ضحكه لم يستمر طويلاً ، لاحظ احد اصدقائه
دبلة تتأرجح وسط ميدالية مفاتيحه لفتت انتباهه و قرر ان يتفحصها , و ظل محدقاً بها
فترة طويلة حتي انه لم يضحك ولا مرة علي أي موقف يٌحكي ، لاحظ الجميع ذلك , لكنه
تجاهلهم جميعاً ‘، التفت إليه بحزم : - انزعها لن تفيد الذكري , فك هذا القيد .
لم يرد عليه , فقط نظر إليه و الابتسامة الباقية من وصلة
الضحك السابقة بدأت تتلاشي شيئاً ف شيء ، شمعة آن وقت إنكسارها .
-
النسيان نعمة يا صديقي ,,يبدو أن الله لم يمن بها عليك .
"6"
" أكتب اليك
رسالتي الأولى بعد الآلاف من التجارب .. عزيزتي البعيدة البعيدة ، صعبة المنال ، سهلة الوعود ، اليوم
فقط و أخيراً تحركت صفحات المياه الراكدة
، أخبرتها ان تبحث لي عن سرك الخاص ، ستتفاجئين بما عادت به ، اخبرتني ان
سرك الخاص غرق قبل ان يصل الشاطئ . ..
-تمت -
Comments
Post a Comment