ريتا.

كانت حين تميل رأسها الي الشباك تدور الشمس حول محور خصلاتها الهاربة من تحت طرحتها , أما عيناها فكانتا قمريتين لا يغفلن حرف اللام .
" الحب – القدر – القمر – الأمل – الحياة "

يسبحون في مقلتيها يرتكز عليها تلافيف مخها و ينبض القلب بهم كل صباح , ليسوا مجرد كلمات نقشتها الحنة علي معصميها . في الفضاء اذا دققت النظر قليلاً سترى ريتا تحمل فستانها مرصعاً بالنجوم و الكواكب و على جسدها رٌسم تاريخ الكون السحيق قصص الحب و الوفاء ، النواكب و الكوارث التي لحقت بكل العاشقين كل هذا يشترك في شيء واحد فقط هو ريتا وهي تحمل فستانها تتجول بين العوالم .

أيقظتني من غفوتي علي زجاج شباك مقعدي في القطار، صوتها يخترق صوت الزحمة ليصل منفرداً الي طبلة أذني دونا عن كل الأصوات تخبرني أننا وصلنا الي المحطة التي اترجل اليها لأشرب كوباً من الشاي علي أحد المقاهي في مواجهة القطار مباشرة بالتحديد أمام شباك ريتا .

لم يكن سبب نزولي فقط هو شرب الشاي لكني أحب دائماً مراقبة حركات الناس والتفاعلات علي رصيف المحطة و علي نوافذ الوداع واللقاء ، تتشابك الدموع لا تفرق بين أيها دموع فراق طويل أم لقاء بعد فراق طال , هنا أجد متعتي أن أرى المشاهد من منظور ناقص عشوائي لا تعلم لماذا هذا تحرك الآن لماذا تبكي هذه الصغيرة , عسكري الجيش حاملا مخلته و السيد تحمل قفتها في عناء لا يتوقف و الشباب لا يكفون عن مضايقتهم لكل المارة ، كلها مشاهد لا تكتمل بالنسبة لي لكنها في النهاية تُكون لي متعة أن  مجرد ترس يدرك تماماً انه مجرد ترس ولا يستطيع الهرب من كونه ترس لا أكثر .

أما ريتا فكانت هائمة في ولا شيء سواي تنظر من شباك مقعدها تجاه قبلتي ولا تحيد عنها في خشوع و شوق شديدين ، ويديها متشبثتين بالكرسي الخاص بي خشية أن يغزوه أحدهم ، لم تكن تفكر في شيء سوي أنها اقتربت من ملامسة الكأس أخيراً و أن الحكم قد وضع الصافر ة في فمه ليعلن نهاية اللقاء و الفوز اخيراً .

لكنه لم يكن سوي صوت صفير المحطة وهي تنبه الركاب بأن القطار سيتحرك بعد دقائق وانا ما ازال ارتشف قطرات الشاي ببطء و أنظر مباشرة لأول مرة الي عيني ريتا وعيناها تحمل باطمئنان لي كل رسائل العودة الي مكاني قبل ان يتحرك القطار ، كانت علي ثقة تامة أنه في أي لحظة سأكون أمامها مباشرة لننتقل الي المحطة التالية .

لم يتسلل الخوف مطلقا الي صدرها حتي انها اخرجت قلم روج من حقيبتها لونه بني لتتزين قبل عودتي واطبقت شفتيها عليه وهي ترسل الي قبلة طائرة كي لا يلاحظ المارة لكن الحقيقة أن عجلات القطر بدأت تتحرك و ستطبق علي أحلام ريتا .

أما أنا فلم أبرح كرسي القهوة ولم أسقط الكوب من يدي و لم أطفئ دخان سيجارتي و كأن الدخان الخارج من صدري استنفار لحرق وقود القطار ليسرع في حركته أكثر و أكثر لتدرك ريتا انها ستذهب للمحطة التالية بدوني ، بل لتدرك أن الترس لا يمكنه الهروب من كونه ترس و أن تفهم متعة ادراك انها لا تدرك كيف تتحرك الاشياء من حولها او تفكر؟!

بدأت تتسارع محركات القطار و بالتالي ازدادت سرعته في الخروج من المحطة ، اما ريتا توسعت حدقيتها في رعب و ذهول شديدين ، هرب الصوت من حنجرتها تُجمع حروفها لتناديني لكن نبضات قلبها كانت أسرع و أعلي من احبالها الصوتية .

خرج القطار من المحطة وانا أتابع مرور الشباك تلو الآخر تتكون فيهم صورة ريتا وهي تحمل فستانها لكنه لم يكن مرصعاً بالكواكب والنجوم بل بالخيبات و السقطات والغدر و الظروف . كنت أراها تتحرك في ممرات القطار كمن يتخبط من المس تسقطها الجاذبية أرضا ، في الحقيقة كان تأثير الجاذبية أهون من الحب ، هو الوحيد الذي يسقطها كل مرة تحاول النهوض فيها .

لا محطات أخرى يا ريتا ، لا عناق آخر ، لا قبلات آخرى ، ولا حتي منديلي قادر الآن علي مسح دموعك ، نظراتي لن تضمد هذا الجرح هذه المرة .

مازالت أراها- رغم خروج القطار من محيط رؤيتي - جاثية علي ركبتيها يمر من حولها الركاب تنتظر و تنظر الي عيني كل رجل لعلها تجدني . أما أنا فلن أكون أبداً ذلك الرجل الذي سيمد يديه اليك لتنهضي .

لم تكن أسبابي مقنعة لذلك فضلت أن اتركها في ورقة داخل حقيبتها ستظل مخبأة طويلاً حتي تجدها بعد مرور فترة من الصدمة ، ليس لشيء سوي أنه خطاب وداع رديء تري فيه أسباب علي شاكلة أن هذا الترس لا يمكنه الهرب من أعباء حياته وظروفها واني لا أستطيع أن أكمل هذا الطريق و علي كتفي رضيع و أم وأخوة فقدن الأب مبكراً وانا علي صغر عمري لن أتمكن من الذهاب معكي يا ريتا الي المحطة التالية والا تعتبر خيانة .

الهروب لم يكن أبدا حلاً ، الهروب حلُ في الأفلام و يبقي دائماً ناجحاً طالما جاءت النهاية مكتوبة علي ظهر القطار الخارج من المحطة يحمل في داخله حبيبين قررا تجريد أنفسهما من كونهما مجرد تروس . لكن الحقيقة انه اذا قرر المؤلف أن يكمل الفيلم بعد الهروب فلن يجد سوي سيناريو وحيد يقود فقط الي الانهيار .

تركتها قبل أن أخبرها كيف كانت تدور الشمس حول محورها و ان عيناها كانتا قمريتين وان فستانها مرصع بالكواكب والنجوم و انها أجمل محطاتي و  آخرها وأنها آخر نبضاتي و أصدقها وانها أخر ثورات ميداني .

رحلت ريتا دون أن أخبرها أنه لا محطة قادمة لنا و أن مقعدي الشاغر امامها لابد و أن ترفع يديها من عليه لتسمح لراكب جديد أن يشغل مكاني  و أن قبلة عيناها ستتغير وأن شفتيها البنيتين لن تبتسمان لي بعد الآن و أن اشياء كثيرة ليست رديئة كخطاب وداعي تستحقها ريتا و لن أستطيع أن أوفيها .. لأنه طبقا لقانون التروس لا يمكن للمكينة أن ترضخ لترضي ترس مجهول بداخلها .

"الي اللقاء في محطة أخرى."
-تمت-

Comments

  1. One of the prettiest things I've ever read Always in excellence, Doctor kareem

    ReplyDelete
  2. التشبيهات رهيبة بقت تاخدني لصور و ترجعني تاني اكمل تخيل المشهد بس مبتفصلش دماغي وده ابداع منك بجد 👏🏻 #التمامي

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular Posts