التيه

التيه

انتهيتُ لتوّي من قراءة روايةٍ كانت تتحدث عن تتابع الأحداث لبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر، وعبورهم البحر بمعجزةٍ لن تتكرر، أنقذهم بها موسى بعصاه.
فكم من عصا تُحدث المعجزات، وكم من عصا تمثل المقاومة في وجه الضعف واليأس.

أكثر ما شدّ انتباهي هو فلسفة الذنب وما تبعها من عواقب إلهية.
كان الرب – على حدّ قولهم في العبرية (إيل) – يتدرّج في العقوبة،
تارةً بأن يأمرهم أن يقتلوا أنفسهم جزاءً لسجودهم لعجل السامري،
وتارةً أخرى بعقوبة المسخ، إذ جعلهم قردةً وخنازيرَ ملعونين، حتى الموت في الصحراء،
تأكلهم العفونة والحيوانات البرية، لعلّ الله يغفر لهم ما اقترفوه في السبت.

وحين اقتربوا من دخول الأرض المقدسة، خافوا أن يدخلوها من الباب خوفًا من القوم الجبارين،
رغم تأييد الرب لحراكهم وزحفهم المقدس.
فتحول الزحف المقدس إلى كارثة عظمى — إلى التيه أربعين عامًا.

تيهٌ كان عقوبةً لا تشبه ما قبلها،
حرمانُ جيلٍ شهد المعجزات، وسمع صوت الوحي، ورأى البحر ينفلق أمامه،
ثمّ لم يؤمن.
فكان أن تاهوا في الفيافي والجبال والبراري، في مطارداتٍ لا تنتهي من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس.

توقفتُ طويلًا عند تلك اللحظة...
أيّ حكمةٍ هذه التي تجعل التيه أقسى مراتب العقوبة الإلهية؟
ألم يكن القتل مروّعًا؟ والمسخ مرعبًا؟
رغم ذلك، كان التيه هو العقاب الأشدّ.

يا ربّاه… هديتَهم السبيل، فمنهم من كان شاكرًا ومنهم كفورًا.

التيه ليس مكانًا يُضَلّ فيه الطريق فقط،
بل هو فقدان البوصلة الداخلية، ضياع الهدف الأسمى والغاية المثلى،
تبخّر كل هذا الجهد، وكل تلك المعجزات، لأنّ القلوب لم تؤمن بها حقًا.
وبينهم كليم الله، يتحدث إلى ربّه دون حجاب!
أيّ امتيازٍ بعد هذا يُطلب ليؤمنوا؟

التحوّل من الرشد إلى الضلال، من النعمة إلى الفقر،
من الامتلاء إلى الخواء،
كأن تعيش أبدًا ولا تصل،
أن تملك كل كنوز الأرض ولا تجد ما تشتريه،
أن تملك كل الطعام ولكن بلا فم.

هنا يجيء السؤال:
حين ندرك أن التيه كان أقسى عقوبات الرب،
هل كُتب التيه على بني إسرائيل وحدهم؟
أم كُتب على كل قومٍ أعزّهم الله فذلّوا أنفسهم بالبعد عنه؟

التيه، في جوهره، انهيارٌ معنوي وروحي.
أن تشعر أن قلبك قد غُلِّف، وأن روحك تبدّلت،
وأن العهد الذي بينك وبين الله قد تمزّق،
وأن الأمان تحوّل إلى خوفٍ مطلق، والنور إلى ظلمةٍ لا تُرى نهايتها.

كم منّا يشعر بالتيه؟
وكم أمةٍ اليوم تعيش التيه؟
كم أمةٍ سُلبت منها عصا المعجزات، فلم تتحقق معجزة سنوارها رغم مقاومتها؟
لأنها لم تستحق أن تُخلَّد عصاها كما خُلِّدت عصا موسى.


---

Comments

  1. أحسنـــــــــــت👍🏻👍🏻👍🏻

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular Posts