اخسرها
– قضيتك مضمونة.
– اخسرها.
اخترق صوتهما صوت قرقرة الأرجيلة و نداءات الباعة المحيطين بهم و امتزجت حروفهم بالدخان الذي اجتمع من كل شئ حولهم يخفي بداخله نار لا تنطفئ مهما حاولت اخمادها .
المستشفي - يونيو ٢٠٢٦
يونس صرخة اخترقت ما بداخلهما من ثلوج فذابت ، نسمة هواء في صحراء قاحلة فأحيا به الله بلدة كانت ميتة ، وضعه الله في طريقهما ليضفي سحره الخاص على حياتهما؛ يقرب ما أبعدته الأيام، ويعيد وصال ما قطعته الظروف.
خرج يونس من بطن أمه لم يبكي أو يصرخ مثل كل الاطفال لكنه اصدر نغما وكأنه يدغدغ مشاعرهما , لحن جديد في حياة نزع منها الحياة عنوة أو طوعا لا فرق المهم إنه هناك سبب آخر للنفخ في الناي بلحن جديد وازاحة الأتربة المتراكمة بداخلة لمره أخيرة , الكل سعيد و ليلي فقط شاردة الم الولادة أو ولادة الألم كان ما يدور برأسها أم أن حقنة البنج لا تزال تسري بداخلها ولم تتعافي منها , لا أحد في هذه الاوقات سيلاحظ ما ترسمه الملامح و ردات الفعل الكل فقط يراقب أنامل ذلك الباكي لحن الخلود الابدي و معجزة الله التي لم تنقطع بانقطاع الوحي .
ينبوع ماء انفجر من حجر،
ام سراب ،
وهما عطشى.؟!
أغسطس ٢٠٢٤- المنزل
على مائدة الطعام، كانت ليلى تضع الطعام غير مكترثة أو مهتمة بذلك الجالس ينظر إليها، لعله يرى بين محجريها نفس تلك النظرة التي اعتاد عليها لسنوات، وحُرم منها لسنوات مماثلة.
أما ليلى، فكان هاتفها المحمول لا يفارق يديها حتى وهي تتناول غذاءها إلى جوار فريد، حبيبها لسنوات، وزوجها المكتوب خلف بطاقتها الشخصية لسنوات مماثلة، توزع الابتسامات بداخل هاتفها و قاضبة حادة متبلدة الوجه في اللحظة اليتيمة التي تتقابل أعينهما فيها عن طريق الخطأ . في كل مرة يحاول فريد مداعبتها أو نزع أطراف الحديث منها يصطدم بإماءة رأس فقط أو ابتسامة لا ترتقي لمستوي المجاملة حتي .
جبل من الثلج فشلت كل محاولات أشعة الود في إذابته. الحب يموت بعد الزواج مقولة منتشرة كانا يتفقنا دائما إنها لن تنطبق عليهما مهما اثقل الزمان والظروف عليهما من حمل أو نواكب , لكن يبدو دائما إنك لا يمكنك أن تعد بشئ لم تختبره مسبقا , الآن بعد سنوات تقلب الحالة فيها كثيرا بين منعطفات كثير , تسرب الحب من بين يديهما و لا احد فيهما كان له القدرة إيقاف نزيف المشاعر أو تضميد الجرح كانا يكتفيان بفقط بتمرير الايام من خلاله , يكفي اننا ظاهريا ماتزال تجمعنا مائدة واحدة وإن كانت كراسينا ليست إلي الجوار كما يظنون .
كلٌّ منهما في وادٍ،
يبتعدان بقدر القرب بينهما،
وكأنهما يتحدثان لغتين بلا معجم.
يناير ٢٠٢٠ – مقهي كنست – وسط البلد
يجلسان على طاولة دائرية، عليها مفرش أزرق تخترقه خطوط بيضاء، وكراسٍ مغطاة بالكامل بكسوة برتقالية.
زهرة طبيعية تقاوم الذبل في المنتصف، بجوارها أباجورة صغيرة تضيء لونًا أصفر خافتًا.
أمام ليلى كوب عصير مانجو، وفي يد فريد فنجان قهوة ومنفضة سجائر عليها عقب سيجارة يتأرجح في المنتصف، يختلط دخانه بلون الأباجورة الأصفر.
– خمس سنين يا فريد فاتوا على أول مرة اتقابلنا فيها هنا.
– قهوة بندق طبيعي، مش سيرم، فاكرة؟
– وقلتلك: بندق يا فندم، وهتلاقي قطع البندق جوه القهوة.
– من يومها ما عرفتش أشربها غير من إيدك.
مسكت بكلتا يديها كوب المانجو، وأخذت تنظر إليه نظرة طويلة، ترقرق فيها دمع خفيف جعل عينيها تلمعان خلف الدخان واللون الأصفر الخافت، ثم نظرت في وجه فريد مسددة لكمة بغتة.
– برضه مش عاوز نروح للدكتور؟
– نروح لربنا أسهل،
قالها وهو يزفر في كوب قهوته الدخان، ثم رفع رأسه من اللكمة كأن لم يكن.
نظرت الي عقب سجارته وهو يتطاير منه دخانا يعبأ المكان ويأكل من عمره حتي يصبح عدماً دون ان يتذكره أحد .
حتي الزهور عندما تذبل،
يتبقي شوكها .
مارس ٢٠٢٥ – مكتب طباعة – الفجالة
المكتب يعج بالزبائن والموظفين، ويسير العمل على أفضل ما يرام تحت أنظار المدير القابع خلف زجاج مكتبه المطلي باللون الأسود، ليكشف خارجه ويمنع رؤية ما بداخله.
تجلس أمامه لبنى، غزال بري ضل طريقه إلى غرفة لا تكمل خمسة أمتار مربعة، بها ثلاجة صغيرة وخزنة وأريكة طويلة منجدة جيدًا ليستلقي عليها فريد وسط يوم مرهق.
لبنى تسبقها رائحة كوكو شانيل قبل وصولها بمئتي متر تقريبًا، وكعبها يضيف لحنًا خاصًا لأردافها المتناسقة مع جسد نُحت بيد مايكل أنجلو، ونهدين لم ينالا شرف مداعبة الأطفال، فاحتفظا بمقاسهما في تناسق بديع مع باقي المنحنيات.
– البخور النهارده فايح قوي، يخنقني.
– نطفيه، بس السجاير مش بتخنقك؟
– عشان طالعة منك، عمرها ما تخنقني.
– عاوزه إيه يا لبنى؟
خلعت معطفها الرصاصي فكشفت عن كتفين عاريين، واقتربت من أذنه اليسرى نافثة سمها بداخله.
ارتعد، وسقطت سيجارته على بنطاله، أحدثت حرقًا دائريًا لم يشعر به.
أزالتها لبنى بيديها، وكان الحرق قريبًا مما يخشاه فريد وما تريده لبنى، قدت بنطاله من قُبلٍ، فضحكت وارتمت على الأريكة.
تبادلا الروائح والنكهات؛ امتزج رحيق كوكو شانيل ببقايا الـ«وان مان شو» الموروثة من جده، بمزيج السجائر وبقايا البخور المطفأ بعلكة لبنى.
كانت تداعب أخر ما تبقي من مشاعره و كان يحتاج هذه المداعبة بشدة لعله يخبر نفسه انه مايزال حيا لحفنة دقائق مسروقة و ممنوعة .
لا يهم ،
الغزلان البرية لا تعوض ،
حتي لو تملك منا الندم ،
المتعة تمحي الآلم.
يبدو أن المنجِّد لم يكن يعلم أنه يملك بين يديه أثرًا للفراشة حين قرر أن يعتني بقطن تلك الأريكة جيدًا.
فناء منزل - يونيو 2026
مر أسبوعا علي ولادة يونس و تأصيلا للتقاليد اجتمعت العائلة كلها من الطرفين لتحي سبوعا طال انتظاره , الألوان كانت تغطي كل شيء حتي الوجوة , إن رأيتهم من بعيد ستشعر ببهجة حقيقية يحدها من كل الاطراف أصوات ضحك وصراخ الاطفال : وحده صوت الاطفال أيا كان نوعه قادر علي غمر المكان من حوله بالحياة .
الحقيقة هي ان وجود طفل في حياة أي زوجين ليس مجرد حدث هام لكن مغير للاحداث ومطور لها بشكل فعال
، مولود جديد خوف وقلق جديد و أماني معلقة بين أنامل طفل ماتزال عيناه لاتسع كل ألوان الدنيا .
كسر الروتين يومي بين اثنين مهما كانت درجة الحب بينهما لابد ل ايجاد سبب ليكملا حياتهما بقليل من الشغف لا بالقصور الذاتي وكأنهما يتدحرجان من قمة الحب الي قاع الملل .
قانون الأم المصرية يخبرك بكل شئ ، الاطفال تربط بهم الزوجة الناصحة زوجها الذي يوشك علي تغيير معاملته أو تحسنت حالته المادية؛ الحقيقة إن المعني أعمق من هذا الطفل الجديد يذيب جبال من الثلج ما كان لأي شيء آخر له القدرة علي إذابتها. المحروم حقا من نعمة الابن أو البنت يدرك تماما انهم ليسو مجرد ورثه يحملون اللقب بعد الوفاة , بل هم حياة جديدة و روح بعثها الله لهم لتجـدد أرواح ُانهكت , لا شيء يضاهي مراقبة أنامل طفلك وهي تتحول من العجز للقدرة و من الضعف للقوة ومن الفقر للإبداع , سهم صغير ضعيف يسهل كسره تحول إلي رمح ممشوق يشق الحياة ويمزقها عن يمينه ويساره ..
كانا يشعران أنهما ينحدران إلى هاوية سحيقة ستدمر كل شيء، إلا أن الكون مد لهما يد العون فجأة، وبدون سابق إنذار.
سريرهما، الذي لم يكن يُستخدم كما كان من قبل، انبت معجزة صغيرة؛ حملت ليلى، معجزة تذيب الثلج، وتعيد الروابط، وتصل ما قُطع عمدًا.
ليالي السعادة والألم الممزوج بالخوف ملأت قلب فريد. في كل صلاة كان يشكر الله ويستجديه أن يغفر له سقطاته، وأن تكون تلك مكافأة يفني عمره كله لشكرها.
أعتزل الاريكة ،
و الكوكو شانيل.
أما ليلى، فكانت تراقب يونسها ، وتراقب الكون وهو يدور حوله فقط، وتراقب فريد الذي عاد عشر سنوات إلى الخلف، إلى زمن فوران حبهما الأول.
فريد وزكريا ناديا ربهما نداءً خفيًا.
ليلى ومريم نفخ الله فيهما من روحه.
تمثل لهما بشرًا سويًا لم يكن له في العائلتين من قبل سميًّا.
أخرجهما من الظلمات إلى الحب، ومن الجفاء إلى الود… هكذا ظنا.
ورقة توت ؛
لم تستر عورة.
لكن الكون يمارس عادته في إعادة تدوير الأحداث ، ليته لم يخرج من حوته .
زكريا نادى ربه في المحراب، أما فريد فكان يطارد الغزلان البرية ، غارقًا في ادغالها .
مريم كانت تعتزل الناس تأتيها فاكهة الصيف شتاء، والشتاء صيفًا، فنفخ الله من روحه كلمته ومعجزته و ما كانت بغيا.
أما يونس، فيبدو أنه لعنة على ليلى،يبدو وأن يونس لم يذب جبال الثلج بل حولها إلي حجر , انشغلت به ليلي و كانت تقف حائلا بينه وبين فريد , لا ترغب في علاقه بينهم أو حتي انفراد دون أن تكون هي في المشهد , لم يفهم فريد شيء وكان يعطي تبريرا جليا مفهوم مسبقا , المعجزة التي جاءت بعد شوق لآبد أن تحارب أمه عليه وتحميه حتي من أبوه , لا يهم المهم أن المعجزة تحققت هكذا برر فريد استئثار ليلي بيونس , مع مرور الشهور تحول الأمر اعتزلت أيضا ليلي فريد واستأنست كل من دونه من البشر، غمام من الملل والرتابة وأطلال حب عفا عليه الزمن، حتى ذكرياتهما تقلصت عمدًا إلى العدم.
لبوءتك المملول منها ،
قد تصبح غزالا لأسد آخر.
نوفمبر ٢٠٢٧ - المنزل
موائد خلقت لتلملم شتات الأسرة مهما مر في اليوم من أحداث ، وقت الطعام للعائلة دون اي اعتبارات اخرى ، لا شيء يعلو فوق صوت العائلة ، هكذا كان يظن فريد انه بوجود يونس ستدب الروح الي طاولة طعامهم مرة اخرى بعد فترات الجفاء و الروتين وعدم الإهتمام..
كان اكثر ما يضايق فريد قبل قدوم يونس هو انشغال ليلي الدائم بكل شيء الا هو ، وأكثر ما يشغلها هاتفها الجوال الذي لا يفارق يدها و ولا تفارق ابتسامته وجهها طالما تنظر اليه حتي وان باغتها فريد بموضوع او حتي حاول التندر ، قضبت وجها واكفهر وكأنه القي عليها حجرا علي صدرها أطبق ما تبقي فيه من مساحة غير مخصصه له او لم تعد مخصصه له.
- مالك ؟
" سأل وهو يقلب الطعام متحيرا"
لم تجب فقط حركت كتفيها لاعلي بإستنكار وهي تضع معلقة في فمها بيد وباليد الاخري ترسل شيئا علي هاتفها .
استنفرت ردة الفعل تلك ذلك المستشيط غضبا امامها فخطف الهاتف ونظر بداخله فسقط منه علي الأرض .
لم يكن سقوطا طبيعيا سقط عنوه من يديه كحياتهما التي سقطت من بين يديها عنوة او بارادتهما ... لا يدريان .
- مين دا ؟
- وانت مالك؟ " قالتها وهي تلملم الطعام وهو يلملم شتات نفسه"
اطبق علي يديها يعتصرها .
- بصيلي وانتي بتتكلمي .. بقولك مين دا ؟
افلتت يديها منه بصعوبة و نظرت في عينيه بقوة ثم رمقته بنظرة من أسفل لأعلي واستدارت غير مكترثة باسئلته و صوته الذي اخترق كل شيء .... الا هي .
انطلق ورائها قبل ان تغلق الباب وضع يديه بين الباب و الحائط وجذبها لتستدير في مقابلته مباشرة ..وامسك بوجهه في عنف
- ردي عليا دا اللي شاغلك دا اللي بتضحكيله بعد كل دا ؟
افلتت وجهها وابتسمت ثم اقتربت بأنفها من جانب اذنه اليسرى و بيديها التفت حول رقبته برقة شديدة .
- متسالنيش زي ما انا مسألتش الكوكو شانيل كان بيغطي ريحتك ايام كتيرة ليه.
ارتخي جسده وهدأ فجاءة لم تكن استجابة لبداية مشهد حميمي لكن مشهد نهاية لضربة قاضية تمت بكل رقة.
سيزيف علي كتفيه الصخرة كلما سقطت حاول الوصول للقمة .. ليست كل الصخور تستحق اكتاف سيزيف .
ديسمبر ٢٠٢٧ - المنزل - غرفة النوم
- رايحة فين ؟
- همشي.. لازم امشي يا فريد
- ليه لازم تمشي .. ليه دلوقتي لازم تمشي مش دا " يشير ليونس " الحلم اللي حلمتيه .. جايه دلوقتي عاوزه تسبيه وتمشي؟
- حلم " نظرت الي يونس في حيرة و يأس "
- انتي نسيتي حياتنا كانت ازاي من غيره ناسيه كل يوم كنا بنبعد ازاي عن بعض عشان مش قادرين نواجه بعض و كنت دايما اقولك ربنا يحلها من عنده واهو حلها ليه عاوزه تهدي كل دا .
- انت مش فاهم حاجه يا فريد
- فهميني .. فهميني يمكن التمسلك العذر وابنك لما يكبر يفهم وميقولش امي سابتني .
- بس انا مش هسيبه انا هاخده وهمشي .
- اخر يوم ف عمري او عمرك لو الواد دا مشي من بيته ومن حضني .. انا ولا هو لينا ذنب ان امه مجنونه عاوزه تهد كل حاجه بانانيه وتمشي.
- فريد الواد دا ملوش مكان في حياتك افهم .. مش هينفع نكمل كلنا سوا .
- كل حاجه هتنفع بيكي من غيرك هتنفع .
- انت غبي ومش فاهم حاجه .
- وانتي انانيه و الواد دا مش هيروح معاكي في حته
- هعرف اخده منك اشبع بيه شويه ..
تذكر فريد هذا الحوار جليا وهو يقف متسمرا امام ساعي البريد علي باب المنزل في يديه جوابين اخطار بدعوي طلاق و جواب اخر من معمل تحاليل مكتوب علي ظهره تحليل اثبات نسب .
لا أحلام يمكن ان تتحقق في الواقع ، فقط يهيأ لنا او هكذا نرغب ان نرى انتصاراتنا غير المتوقعة.
يناير ٢٠٢٨ – محيط محكمة الأسرة – مقهى الاستراحة
أخرج فريد من جيبه رزمة نقود، وسقطت ورقة سهوا. التقطها وحيد، ونظر فيها بأسى شديد وحسرة.
أمسك يد فريد للمرة الأخيرة قبل الدخول إلى مكتب القاضي والمواجهة الأخيرة أمام ليلى ومحاميها الساعي في الطلاق بعد ولادة يونس بعامين.
قبل الاصطدام في جبل الثلج وغرق كل ركاب السفينة قررت ليلى أن تهجر فريد دون أن يعلم لها مكانًا، وتركت له يونس فجأة , المعجزة التي استئثرتها لنفسها تركت فجاءه , موسي وضع فالتابوت والقته في اليم و عاد بعدها الي صدر أمه .
وبدون مقدمات، وجد نفسه أمامها في محكمة الأسرة تطلب قضية طلاق للضرر، مدعية أنه هو من هجرها وحرمها من ابنها.
جئتي شيئا
فريا .
جبل الثلج لم يكن سوى بركان معطل؛
الآن تطال حممه الجميع.
– بالورقة دي تسجنها… دي قضية زنا.
– ويونس؟
– تربيه هي، ملكش دعوة. أبوس إيدك… قضيتك مضمونة.
– اخسرها.
– عشان مين؟ بتعاقب نفسك ليه؟ وعشان مين؟
" بابا " طفل مر يمسك في يد والده و باليد الأخرى يشير الي حلمه -قطعة حلوى- اخترق أذن فريد..
ابتسم و نظر مباشرة برضى في وجه البدين الماثل أمامه وحيد وهو يضغط علي كل حرف يخرج من حنجرته.
– اخسرها.
– تمت –
Comments
Post a Comment