هنا ..



"1" 

بقايا الشباب الماضي و النشاط الذي لم ينقطع و الحركه الدائمة في كل أرجاء هذا البيت الريفي  تجمعت علي نافذه ساكنه بالتحديد داخل مربعاتها الزجاجية  مختلطة  بقطيرات الندي و دموع الزمن  ,  لكنها الآن حبيسة كرسي المستقبل المتحرك  لعلها وهي جالسة أسفل نافذتها الساكنه علي كرسيها المتحرك تلاحظ  عجلة الزمن جلية  واضحة  وتلاحظ سخريته أيضاً. الساكن أصبح يحمل ذكريات مفمعة  بالنشاط و المتحرك أصبح يحمل جسداً هامداً ساكناً يٌمثل مستقبلاً بغيضاً بطيئأ , لكن لايهم  فهي الآن تجد متعتها في تصنيف البشرتبعاً للنظام الشمسي ؛ هذا طيب  ذو أصل لأن الشمس وأشعتها أختارت أن تسقط عليه في هذه اللحظه بالذات في هذا الشارع الضيق حيث تندر زيارات الشمس , فليس من الطبيعي أن  الشمس من فوق سبع سماوات و من أقصي المجره  تختار هذا المترجل في هذه اللحظه  بالذات كي تسقط دون غيره من المترجلين  , هذا كله لا يمكن أن يكون عبثاً .

"2" 

مختلطة ُ بإحدي شُعيراتها البيضاء التي تسحبها منه سريعاً بخفة ونعومة كانت تقضي أغلب وقتها و أنا معها أستمتع وهي تقلبه  بين راحتيها    , أكثر ما يحزنها تلك الشعيرة  البيضاء التي تلتصق به  عندما تسقط منها ,  تنظر إليها نظرة مطولة  بحدبة  ضيقة وتزفر زفرةً  تمر عبر الزمن  بنصف إبتسامة ربعها رضا والربع الآخر أسى  , تقنع نفسها أنها تلونت نتيجة إختلاط الدقيق بشعرها  . سيدنا سليمان قد أوتي علماً و عُلم منطق الطير , وهي  عٌلمت منطق العجين .  لم تكن تحدثه  كانت توشوشه بخفة  و  كأنه ينضج من سخونة  أنفاسها  قبل أن تلفحه  نار الفرن  . عندما تسمع صوته جلياً وهو يبطط ويفرد ويلم  ويفرد مرات و مرات حتي  ينتهي علي المطرحة الخشبية  تطمئن لجودة إنتاجها تطمئن أن عجينها أدرك وشوشتها .

"3"

= عارفه يابت يا هنا  نفسي في ايه ..

" تجلس علي كرسيها وبين يديها ضفيرة  هنا المتربعه علي الأرض"

-          نفسك في ايه يا ستي .

= جدك ,, ربنا يقومه بالسلام’ من اللي حل عليه   ,, ويليح يقف علي رجله  و  نروح البيت الجديد.

-          بس اني بحب البيت  يا ستي ,, اتربينا هنا و حياتنا كلها هنا.

= هناك الناس كلها طيبه يا هنا .

-          وانتي عرفتي ازاي  يا ستي .

= هناك الشارع قدام البيت أوسع , الشمس بتزوره كل يوم و بتنور ناسه كلهم,, والشمس يا هنا متنورش غير الطيبين  .

"4"

لم أكن أدرك سبب عصبية جدي في كل مرة  يزورنا الطبيب لمتابعة حالته , البيت كله لابد أن يكون متأهب.  جدتي في غرفتها مٌغلق عليها بابها , أمي و خالتي يتأكدن من أن النقاب بالشكل الصحيح  , الاطفال وأنا معهم في غرفتنا لا صوت ولا نفس , كان يمكن التهاون في اي شئ  إلا أن يخرج هو و الطبيب من غرفته  يجد غرفة  جدتي تُسرب شعاعاً من الضوء , لا افهم حقيقة ما كان يدور برأسه الاحظ ان الاهتمام يبدأ قوياً في الصغر  ويقل تدريجياً مع تقدمنا في السن  لكن جدي حدث معه العكس قد تكون الجلطه غيرت بعضاً  من خصاله  كما لعبت بذاكرته. , لقائهم الوحيد في هذه الفتره   غريب غرابة علاقتهما التي تتطور مع الزمن  فبعد أن لازمت كرسيها تعباً و لازم فراشه  مرضاً  لقائهم اصبح  ضبابياً لا  تراه و لا يراها  , هو فقط يشعر بإقتراب عجلاتها منه و هو مُغمض عينيه  و الغريب انه كل مره يُفضل أن تبقي عينيه مغمضتين , أنفاسها كانت تدفئه في لياليه الشتويه التي تعرفها  جيداً  وتعرف كم يعاني بسبب أطرافه التي لا تشعر بالدفء بسهول’ . الآن اصبح يحب الشتاء لأنه يضمن كل ليله زياره عجلاتها  و زيارة أنفاسها تخترق أنفاسه  تذيب برد أطرافه . عندما تغلق باب غرفته خلفها  تسقط من طرف عينيه دمعة ساخنة  , فهو  يدرك جيداً  أنها لن تنام بسهوله  دون مؤنس وسادتها , في الماضي كانت تخاف النوم في الظلام حتي تعودت بسبب وجوده جوارها ,  الآن اصبحت هي و الظلام وحدهما .

"5"

.  وحيدُ  الآن  أصبح و ساكن لا يتحرك إنضم لمعسكر الماضي لم يبق فيه سوي رائحة  و بضعة شعيرات  بيضاء و شعيرات آخري ممزوجة  بالدقيق , لا يدري  هل تحركت النافذه من مكانها و لم تعد تطل عليه   ام لم تعد تزوره اشعة الشمس؟ , ام أن الشمس هي التي رحلت ؟ . كل شئ من حولي تغير السرير ليس هو , الغرفة  ضاقت ألوانها  تبدلت , رائحتها تغيرت , و من هذا الناظر الىَ  بمقلتيه العسليتين ؟ , أ شعر أني أعرفه  لكن هذه العيون  لم  تقابلني من قبل , أين أنا ؟ .. كنت أشعر أن هذا هو لسان حال الكرسي في البيت الجديد بعدما إنتقلنا إليه و دخلت  جليسته إلى فصل جديد لم يكن في الحسبان تخوض حرباً أطول مع الظلام  والوحدة  التي تخشاهما , إنتقلت و تركت جدي  يخوض حرباً مع رائحتها علي الكرسي التي تختفي يوماً بعد يوماً , يخوض حرباً مع البرد عندما يشتد عليه ولا يجد من يدفئ أطرافه , يخوض حرباً مع جفنيه  و رفضهما  الدائم أن ينفك إرتباطهما ويراها  ولكن كيف يراها حبيسة كرسي ؟ وهو لم يعتاد عليها سوي  قرص شمسي  يحرص أن ينير أشعته كل من حولة  فلا يمل الحركه و لا الدوران حتي ينعم الجميع  بحرارته و دفئه , تركته يفقد إستطعامه  للخبز وهو يخوض حرباً مع أخر رغيف في باطنه أخر وشوشه  لأخر عجين وضعته في الفرن .

"6"

-          ستي كانت بتقول البيت هنا كل اللي حواليه طيبين .

=  وهي عرفت إزاي يا هنا .

-          ستي قالتلي ان الشارع  هنا اوسع و الشمس بتزوره كل يوم  و تنور كل ناسه ,, والشمس متنورش غير الطيبين .

= وحشتك يا هنا ؟

-          وحشني  وشوشتها للعجين يا جدي .

= ستك يا هنا بكي عليها العجين في الفرن .


-تمت- 


Comments

Popular Posts