أنا و أنت و جوزيـــــف ....

 

أنا و

 أنت و

جوزيف.....

قصة لــ
كريم عمرو

 

 

لا أعلم لهذه الطريقة التي سأتخذها أسلوبًا هذه المرة اسماً واضحاً ولا يهم أن أعلم، لكن ما يهم أني وجدت هذه الصيغة هي الأنسب لتصل معي للنهاية. حسناً سنبدأ الرحلة في أحد المكاتب الفخمة التي تطل على الشارع من خلال جدار زجاجي مقسم إلى تسعة مربعات أمامه مكتب يجلس عليه السيد جوزيف يظهر على حاسوبه رسالة بريد إلكتروني وورقة بيضاء فارغة وفي يده قلم أسود يقطر حبرًا على الورقة التي انشغل عنها جوزيف وركز في البريد؛ في الواقع السيد جوزيف لا يعيش أفضل أيامه في الشركة فطبيعة وظيفته تتطلب أفكارًا إبداعية كل ثانية وهذا ما أوصله إلى مكأنته الحالية لكنه ومنذ فترة ليست بالقليلة يمر بفترة جفاف لم يعهدها والشركات كما تعلم لا تعطيك الفرصة طويلًا، والآن في ظل ندرة الأفكار يأتيه هذا البريد الذي يحمل طلبًا غريبًا لابد أن يجد له فكرة دعائية  وإلا قد تصبح هذه أخر مرة يجلس فيها على كرسيه. بعد أن ارتسمت على ملامحه خطوط الغضب من جهة ومن الجهة الأخرى ملامح حيرة قرر أن يلملم أغراضه وبعض الأوراق وأن ينهي عمله مبكرًا ويرحل آفلًا إلى منزله.

حاول أن تسترق السمع أعلم أن وضعنا ليس أفضل حالٍ كي نسمع بدقة ولكن الهدوء في هذا المنزل سيجعل أبسط الأحاديث مسموعة نوعًا ما.

-         عدت مبكرًا يا جوزيف، هل تعاني من تعب ما؟

-         حمقى، لا يفهمون أنا أعمل مع مجموعة من الحمقى، هنا في هذه الجمجمة يجلس مبدع يملك أفكارًا تساوي الملايين، وهؤلاء الكسالى لا يعرفون قيمة الأفكار لا يفقهون في شيء سوى جمع المال، لذا المبدأ العام في الشركة أن كل العروض تقبل، كل العروض يمكننا أن نصنع لها أفكارً دعائية، لا خطة ولا إدارة ولا أي طريقة يمكنك أن تتعامل معها بمنطقية، كل شيء لا يهم في مقابل أن تزداد أرباح الشركة.

-         اهدأ؛ لا تنسَ توصيات الطبيب، الانفعال الزائد خطر عليك، اهدأ وأخبرني ماذا حدث؟

-         ما هي الفكرة الدعائية الممكنة التي يمكن أن أسوّق بها "الموت" للناس؟! من أصلا قد يهتم بنفسه بعد أن يموت لكي أقنع أحدًا أن الموت في هذه المقابر أفضل من الأخرى. الحل الوحيد هو أن أمسك ميكروفونًا و أقف أمام العجائز والمقبلين على الموت.. عفوًا يا سادة لقد أنتهت رحلتكم معنا هذه هي محطتك الأخيرة حيث الوجهة الأبدية.. عذراً يا سيدي لقد أصابنا الملل من كونك شخصًا عديم الجدوى الآن... من سيتقبل هذا العبث؟

-         اهدأ، أنت الآن في المنزل، أغلق الأنوار بداخل عقلك واسترح، فقط الراحة ولا شيء غير ذلك.

-         حسناً، سأحاول.. "يتكلم وهو يتحرك بسرعة يتباطأ فيها شيئًا فشيء" الموت! ليس هناك أصلا ما يسمّى بالموت يا مجانين، إننا كهذا الحاسوب عندما نسحب منه أسلاك الكهرباء نفقد طاقتنا وننتهي.. ننن

 "يسقط على الأرض وضربات قلبه تتزايد و الألوان في عينيه تحولت إلي لون واحد فقط " .

 

اهدأ لا تخف، أنا أفهم تماماً لماذا تنظر حولك يا صديقي، لكنك بالتأكيد لا تكره اللون الأبيض، كما ترى حولك هنا كل شيء لونه أبيض، ستفهم سبب تواجدنا هنا الآن، ليس علينا سوى الجلوس هنا ومتابعة المكان ومعرفة أبعاده، حسنًا أظن أن تلك المكتبة الضخمة التي تقع في مرمى عينك وما تحتضنه من عدد هائل من العمال الذين يعملون بتناغم وسرعة ودقة بالغة، ستثير سؤالاً  يدور في بالك الآن ما سبب تواجد المكتبة هنا؟ سأخبرك سرًا صغيرًا، في هذا المكان ليس مسموحًا لك أن تسأل، أنت إما أن تجيب أو تصل للإجابة وحدك. نركز مع المكتبة ونسيت أن أخبرك بالشخصية الأهم هنا، هذا الحارس الجالس على كرسيه بجواره مجموعة من الكتب وخلفه الباب الوحيد في المكان، لعلك تتساءل الآن لماذا لم نجلس على هذا الكرسي المقابل للباب والحارس، ثانية سأخبرك هنا لا مكان للأسئلة. انظر هناك أنا أرى أن إجابتك قد وصلتك، هذا الشخص القادم نحونا سيمزق الغمامة التي تكونت داخل عقلك قبل أن تمطر أسئلةً.

حركاته بطيئة كما تلاحظ مثلك عندما دخلت هنا واستقبلت صدمة المكان، ينظر حوله كثيرًا وكأنه يبحث عن شيء، يبحث عن طرف خيط يدله، يبحث عن وجه مألوف يسأله عن مكان تواجده، وبالطبع ستجذب أنتباهه المكتبة التي توجه إليها مسرعًا.

-         لو سمحت، سؤال بعد إذنك؟

لم يتلقَّ أي إجابة، فقط استمروا في عملهم دون أن يعيروه أي أنتباه، لكنه لا مفر لديه سوى أن يكرر السؤال مرة أخرى ولكن بصيغة مباشرة دون مقدمات.

-         أين أنا؟

-         ما اسمك؟

"رد أحدهم وهو لا ينظر إليه ومنشغل في الأوراق التي بين يديه"

-         جوزيف

-         والدك.. والدتك؟

-         أنا فقط أريد أن أعرف أين أنا لا أكثر ولا أقل!!

-         أجب عن الأسئلة إذاً.

بالطبع أعصاب الواحد منا عندما يكون تائهًا أسهل شيء يمكن استثارته، أنا الآن تائهٌ بماذا سيفيدك اسمي او اسم والدي ووالدتي سوى أنك شخص تتمتع بطول بال أنا لا أحتاجه في هذه اللحظة بالتحديد، كل ما أحتاجه هو إجابة واضحة صريحة؛ أين أنا؟ هذا كل ما دار في رأس جوزيف ولكنه كتمه بداخله فما زالت هناك فرصة وحيدة يمكنه أن يتمالك أعصابه من أجلها وهو هذا الجالس على كرسيه في يديه كتاب يقرأه وخلفه باب. تحرك إليه جوزيف يحاول تصنع ابتسامة تجعله مقبولاً عند هذا الأمل الوحيد المتبقي.

-         يبدو أنك تعمل هنا، ذهبت إلى هذه المكتبة لكني لم أخرج بشيء مفيد، أنا فقط أريد أن أعرف أين أنا؟

-         عفواً، هنا لا ردود لأسئلتك، فقط عليك أن تجيب عن الأسئلة.

-         عذراً إنك قد اختلط عليك الأمر، هذه أول مرة أراك فيها، ما هي الأسئلة التي قد تفيدك إجابتي عليها خصوصا أنني التائه هنا، فمن الطبيعي أن أملك أنا الأسئلة !!

-         أسئلتك يمكن سماعها خلف هذا الباب فقط.

-         حسنا أدخلني إذاً لأجد إجابتي.

-         أجب عن الأسئلة ستمر.

-         هل أنتم مجانين؟! هذا لا يمكن أن يكون طبيعيًا .. أنا أريد أن أعرف ماذا أفعل هنا، على الأقل أين أنا وكيف وصلت إلى هنا. ؟؟

-         " فتح الحارس الكتاب مجدداً وبدأ يقرأ فيه " أجب، تمر، ترتاح.

استقبل جوزيف الكلام وكأن أحدًا ما ضربه على مؤخرة رأسه فاستدار في كل الاتجاهات الممكنة ليرى من ضربه فلا يجد أحدًا والمستفز بالنسبة له أن كل الاتجاهات تقود إلى هذا الحارس الجالس على كرسيه وفي يديه كتاب بني كبير عليه عنوان غير واضح مكتوب عليه بخط ذهبي كما يبدو.

-         لا يمكن أن يعقل هذا، لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًا، من أين دخلت حتى؟ كيف وجدت نفسي هنا؟ أنا لا أفهم أي شيء. لا أفهم.

قرر بعد أن حاول أن يتحرك في المكان شمالاً وجنوبًا، شرقًا وغربًا، أن يستسلم ويجلس على الكرسي المقابل للحارس، لكنه سمع ضجة قوية تأتي من ناحية المكتبة وكأن شيئًا سقط من أعلى داخل المكتبة، فقرر أن يحاول محاولة تبدو عليها الشفقة، الشفقة تؤثر في الجميع، لذا قرر أن يأخذ نصيبه من التأثير.. تحرك نحو المكتبة ورأسُه متدلية على صدره ويديه معقودتان خلف ظهره وأقدامه تسترق الخطوات من الأرض.

-         أرجوك يا سيدي، أتوسل إليك، أين أنا؟

-         ما اسمك؟

-         جوزيف إيزاك، اسمي هو جوزيف إيزاك.

-         اسم والدتك كاملًا؟

-         أنا حقًا لا أفهم.. حسنًا إن كان هذا سيعطيني في النهاية الجواب المنتظر سأخبرك، والدتي سارا جاكوب يوري.

فجأة وبشكل تصاعدي أنتقل صوت جوزيف من أسفل إلى أعلى وكأن الرجال يتناقلون الاسم بمتتابعة تصاعدية حتى اختفى الصوت لوهلة ثم عاد الصوت من بعيدٍ واقترب تدريجيًا وكأنه أنتقل من أعلى لأسفل عكس طريقة صعوده.

-         ماذا يحدث؟ أنا فقط أريد أن أعرف أين أنا!

-         عفوا يا سيدي لن تستلم ما جئت إليه الآن. الأمانة الخاصة بك لم تنتهِ بعد .!

-         أنا لا أريد شيئًا، أنا جئت فقط لأسأل سؤالًا واضحًا .. أين أنا ؟ "يضغط كل حرف بقوة"

عادوا إلى سيرتهم السابقة العمل ولا شيء غير العمل مصحوبًا بتجاهل جوزيف وكأنه مجرد ورقة طويت وألقوا بها في مفرمة الأوراق.

-         هذا لا يحتمل، لا يمكن أن يكون هذا طبيعياً .  "تحرك بجنون نحو الحارس"

-         أرجوك يا سيدي أرجوك، أتوسل كل قطرة إنسانية بداخلك أين نحن؟

-         أجب عن الأسئلة لتمر إلى هذا الباب وستفهم كل شيء.

-         حسناً حسناً ..أنت تفوز .. أعطني أسئلتك.

أخرج الحارس ورقة من جيبه وأعطاها لجوزيف، نظر فيها جوزيف طويلاً ثم نظر إلى الحارس وأعاد نظره إلى الورقة قبل أن يدعسها، ويلقيها على الأرض ويضحك بهستيريا شديدة.

-         هذا جنون مكتمل الأركان، هذه مسرحية هزلية بلا شك.!

يا أحمق ماذا تفعل!! لا تضحك؛ نحن هنا نشاهد فقط ولا نشترك في الأحداث مطلقًا وإلا طردونا، إننا محظوظون للغاية فكونه لا يستطيع رؤيتنا لانهالت علينا أسئلته لذلك عليك أن تحترم الموقف ولا تضحك أو تسخر من أحد. فقط شاهد وراقب ولا تضحك.

-         أنتم مجانين هذه هي الإجابة الوحيدة لكل ما نحن فيه، أنتم مجموعة من المجانين. حسناً أخبروني الآن هذا مكان تحولون فيه العقول الصحيحة إلى عقول خرفة مجنونة جنونًا كليًا بلا شك.

يجلس على الكرسي المقابل للحارس وينظر للأرض نظرة طويلة. لا تفزع هذا الصوت هو البداية فقط، هذا الصوت الذي أفزعك هو بداية المرحلة التي ينتظرها هذا اليائس، عليك الآن لتستمتع ان تعدل من جلستك لترى بشكل أوضح.

يتحرك جزء من الجدران البيضاء يأخذ شكلاً مربعًا كبيرًا ويبرز بشكل واضح عن الحائط وكأنه تحول إلى شاشة عرض عملاقة سوداء، أخيراً اعترف المكان بأن هناك لونًا آخر غير الأبيض وأصدرت الشاشة صوتاً مهيباً و كأن أحدًا ينفخ في بوق عملاق جعل جوزيف يفيق من يأسه وينظر نحو الشاشة التي انبثقت من الحائط أمامه وظهر فيها ثلاث خطوط بيضاء طولية تقسم الشاشة بالتساوي ....

"1"

لم أكن أعرف لماذا نحن هنا؟ جميعنا كذلك لا نفهم حقا الحقيقة من تواجدنا هنا! هل صراع البقاء على هذه الأرض يستحق كل هذه الدماء؟! ما الذي يستحق أصلا كل هذه الدماء المُراقة؟  لا يمكن أن نكون هنا بإرادتنا، نمسك سلاحًا نوجهه لشخص آخر يمسك نفس السلاح فقط لنفوز ببعض الدقائق الإضافية قبل أن يقابل الناجي من هذه الجولة شخصًا آخر يحمل نفس السلاح ويستنزف الدقائق المتبقية في حياته وهكذا إنها دائرة زمنية لا تتخطى الثواني نعيش فيها لسنين وقرون. المحزن في كل هذا أن هذه الحروب التي تسمع فيها صوت الرصاص والصراخ وانفجار الجماجم وتمزق الأوردة والشرايين ونداءات الاستغاثة لا تُحَل على هذا الميدان الذي شهد كل هذه المعأناة، لكن تُحَل في غرفة اجتماعات فارهة متوفر بها زجاجات المياه المعدنية أمام كل كرسي والعصائر وأطباق الفاكهة تتوسط الطاولة الطويلة. ونحن هنا نخترع المياه من جديد ونكتشف الطعام من جديد، وإذا عثرت كتيبة منا على مورد غذائي فاسد منتهي الصلاحية يعتبر غزوًا جديدًا. ما ندركه تمامًا أننا مجموعة من الأوامر خُطت على الورق لنبدأ شلال دماء لن يتوقف إلا بحبر آخر يكتب أمراً جديدًا يحمل في طياته النهاية. الدماء تروي فقط عطش الجالسين على الكراسي وعندما تمتلئ بطونهم ويملون طعم الدماء يأمرون بأن هذا الوضع لابد أن ينتهي حتى يعود الجنود إلى أسرهم سالمين وهم يشحذون الدموع في خطاباتهم. في الحقيقة العائدون من الحروب ليس هم الفائزون، من مات قبل أن يعود هو الفائز الحقيقي، إننا نعود فقط بأجسادنا لكن مع كل ليل وانقباض جفن يعودون إلى ميدان المعركة مرة أخرى، العائدون من الحروب يفقدون القدرة على النوم التي تميز الموتى، لذلك تجدنا خارجين عن السيطرة دائماً. لذلك قررت في هذه اللحظة أن أفوز بالنوم وألا أفقد السيطرة، لن أنتظر اجتماعاتهم، لن أظل مختبئًا في هذا الخندق حتى تأتي الإمدادات والتعزيزات لتنقذنا، سأذهب إلى حيث يشتد صوت الرصاص وأقف أمامهم "ها أنذا يا حمقى"، انطلقت بأقصى سرعة وفي يدي سلاحي ينازع رصاصاته الأخيرة وأنا أنازع آخر أنفاسي كل منا يكتسب شجاعته من الآخر لكنه في الواقع ليس شجاعة إنه أنتحار. موت إرادي. زملائي كانوا يدركون كل هذه الحقائق لكنهم احتاجوا فقط من يعلن هذه الحقيقة ويخرجها من صدورهم، الحقيقة دائمًا أسهل داخل الصدور أصعب على الألسنة. لذا قررت أن أكون أنا صاحب المهمة الصعبة، لذا لا تتفاجأ إذا سمعت غدا في نشرة الأخبار عن قتل كتيبة كاملة والدموع تتساقط من معلني الخبر، هذه الدموع ليست حزنًا علينا لكنها حزنًا على اللعبة التي أنتهت بدون إرادة أصحاب القرار. انطلقنا ندهس الحشائش و وسط الأشجار نتبادل الرصاص حتى أنتهى الصوت الصادر من جهتنا، أنت الآن تسمع صوت الرصاص من جهة واحدة وقريبًا ستستقر هذه الرصاصات في صدورنا، مهما حاولت الأشجار أن تحمينا سيأتي وقت ويخترق الرصاص الخشب والأجساد، ها هم أدركوا عدم تكافؤ الفرص وأصبحوا يضيقون علينا الخناق، الدائرة من مشهد رأسي تضيق علينا وهم يقتربون بثبات. لا تتفاجأ حين أخبرك أن الخوف لم يكن هو المسيطر علينا في هذه اللحظة، الحنين فقط هو من هجم علينا وقتها، الحنين إلى كوب من الشاي في الشرفة مع زوجاتنا وفي الخلفية صوت عصافير الأشجار تخبرنا كم هي رائعة الشمس اليوم ليس لكونها دافئة بل لأنها تنعكس على شعر زوجتي الأصفر وكأنها العذراء في الكنيسة تتجلى وحولَها الراكعون الراجون بركاتِها يحملون في أيديهم مشاعرهم المشتعلة وذنوبهم المختبئة عن العالم وهي فقط بنورها تذيب قطعة السكر في الشاي وتخفي الذنوب للأبد. اخترنا أن نموت ونحن حالمون لا خائفون لكن وكالعادة الموت هو من يختار ضحاياه سمعنا صوتًا جاء من السماء لا أعتقد أن الرب سيساعدنا نحن وكأننا ندافع عنه، الرب خلق الدماء ليعاقبنا على سفكها ونحن كالحمقى نحزن فقط عندما تسفك! حسناً أنتم لم تحاربوا بعد، بعدها ستدركون أن اليوم الذي لا تسفك فيه الدماء لابد أن يصبح عيداً. الصوت يقترب أكثر فأكثر، الدائرة الخاصة بنا تتسع وتحتوي دائرتهم وتضيق عليهم الخناق. خسرنا النوم الهانئ وفزنا بكوب شاي في الشرفة هذه المرة.

 

"2"

شاشة سينما مقسمة إلى تسع مربعات كبيرة يظهر في كل مربع مشهد منفصل يتصل بشكل ما مع باقي المربعات. هنا قد تلاحظ سيارات متزاحمة وصوت آلات التنبيه ترتفع تصاعدياً مع الزحام، قد تجد زوجة وزوج ينظر كل منهما من شباك مقعده غير مكترث بالآخر تفهم من الخطوط المرسومة على وجه كل واحد منهم أن شجاراً دار منذ قليل، كل واحد منهم ينتظر فرصة للانقضاض على الآخر و لا يعيد إليهما أنتباههما سوى فتى ظهر للتو أمام السيارة بشكل مفاجئ هاربًا في يده حقيبة خطفها من تلك السيدة التي سقطت على الأرض وتجمع حولها عدد قليل من المارة ليساعدوها على النهوض لكن هذا المستند على عمود الأنارة الذي يراقب الوقت في ساعته باستمرار أدار وجهه في اللحظة التي مرت فيها فتاة جميلة ترتدي فستان أسود قصير لا يكاد يصل إلى ركبتيها وفي يديها هاتف تتكلم فيه مع أحدهم وتتفق على سعر شيء ما "لن اٌقبل بأقل من 100 دولار" الجملة التي جعلت هذا الجالس على كرسيه يتناول كوباً من القهوة في فترة راحته من العمل يتعجب مما سمعه ونظر إلى السماء غاضباً، وجّه غضبه إلى النادل حين مر بجواره دون أن يسأله عن رأيه في القهوة كما هو معتاد فقرر أن ينادي هو عليه و يرمي له النقود على الطاولة وهو يتمتم بكلمات توحي بأن هذه المرة الأخيرة التي سيشرب فيها قهوته في هذا المكان، النادل ولأن بالَه مشغولٌ بجولة التوبيخ المتواصلة من مديره منذ قليل عندما كسر مقبض الباب الداخلي للمطبخ؛ أخذ النقود من على الطاولة وأوردها إلى رجل الحسابات الجالس على كرسي دائري طويل أمامه حاسوب خاص به يسجل النقود وهو يضع يده على خده الأيمن وهو ينظر إلى الشارع حيث تتوالى الأحداث المتكررة التي تحدث كل يوم. هذا يومياً ما أشاهده من خلال جدار مكتبي الزجاجي في الشركة المقسم إلى تسعة مربعات في الدور الثالث. تسع نوافذ وكأنها شاشة سينما لكنك للأسف ولأنك تملك فقط مقلتين تتحركان تبعاً لما يلفت أنتباهك، بالكاد تستطيع أن تدرك جزءًا من حدث وجزء آخر من حدث آخر وتتساءل هل يمكن لهذا التتابع الذي تفشل في إدراكه يوميًا أن يكون عشوائياً يحدث مصادفةً؟ هذا السيناريو المتجدد وليد اللحظة فقط دون مخرج متحكم في الإيقاع! يتوقف عقلك و تطلق زفيراً طويلا وتجلس على كرسيك وتستدير به معطياً ظهرك للجدار الزجاجي وما يعكسه من أحداث فاتتك كلها الآن واستمرت رغم عدم مشاهدتك لها، تدور بكرسيك أمام مكتبك لتجد 100 دولار تظهر من المحفظة بجوار حقيبتك الصغيرة وعلى يسارها مفاتيح سيارتك المرتكنة على إطار صورة زوجتك التي تسرح بها لوهلة وتتحسس بأناملك صورة طفل في يديه قطعة طين وهو مبتسم، قبل أن يخرجك من تركيزك النادل يحمل كوباً من القهوة يبدو على وجهه علامات الضيق فتسأله "هل تمر بيوم سيء؟"

 

"3"

قد يخيل لك أنك تقف في حديقة جميلة ، الزهور فيها تستقبل الشمس، تعكس ألوانها على الأجواء، والعصافير على الأشجار تستقبل لفحة الصباح بإحدى الترانيم الصباحية والهدوء التام وكأنك وحدك الحي في هذا المكان؛ ولكن الحقيقة فعلاً أنك وحدك الحي في هذا المكان وأن العصافير ترتل أدعية الغفران لتترحّم على هؤلاء المغموسين داخل الثرى، والأزهار لا تميز لها لوناً سوى لونٍ أسودَ قاتم حزنًا على هذا الراقد في الأسفل حيث يكتنفه السواد من كل جانب وهو صغير يخاف الظلام كعادة كل الأطفال في سنه.

كنت أظن وأنا أبدل اسمه من على اللوحة التي تميز قبره بجملة سيقل الألم بداخلي قليلاً، لكن في الحقيقة أنني في كل زيارة أتذكر ما هو أعمق من اسمه، أتذكر لمسة يديه ودوران مقلتيه، أتذكر البكاء الدائم وأنا أوجه له النكات وأتذكر نظرة الحيرة والتحقق التي تسبق ردة فعله وأنا أضع يدي على أنامله وأهمس في أذنه أعطيه كل ما أملك من خبرات وأمنيات، أخبره كم أنتظره حتى يقف إلى جواري.

وهو لا يفهم أنك تسابق الزمن لتراه شاباً تتفاخر به، هو لا يفهم أنك تسعى من أجله، هو لا يفهمك أصلا ً لأنه لا يدرك من تكون؛ كل ما يدركه هو البكاء والنحيب والهروب منك بعيداً وأنت تلاحقه، تلاحق جزءًا منك يتحرك. لكنك وبسذاجة يومية تخبره أنه أصبح يمتلك من العمر عدداً يزيد عن اليوم السابق وأنه الآن أنضج من أمس وأنه يجب أن يفهمك أفضل من الأمس، تسابق الزمن لأجله، لكن أخبرني هل يمكنك أن تسبق الأرض التي تجري عليها؟ الزمن هو الوحيد الذي يعلم خط نهاية كل شيء. لذلك أنت الآن تلعنه في كل ثانية وأنت واقف أمام قبره، تلعن ذلك الوهم الذي دسه في عقلك في البداية حتي شعرت أنك دخلت الجنة ولن تخرج منها أبداً ولو قضمت ألف تفاحة، حسناً هيا ألقِ أزهارك على القبر وغادر، ألقِ أحلامك وعد إلى الواقع، ألقِ الغد الذي لن يأتي، ألقِ الحب الذي لم يتم تبادله، ألقِ الخبرات التي لم تُفهم، ألقِ الخطوات التي لم تكتمل، وأنتظر صغيرك يحبو و في يديه قطعة طين اتسخت بها ملابسه وهو يضحك من فعلته وأنت تخبره أن يمسك الزهور أفضل من الطين، لكنه كان يدرك أن بدايته طين ونهايته طين ولا مكان للزهور في حياته القصيرة، كان على صغر عقله يدرك ما لا تدركه أن الزمن رسم له خط بدايته ونهايته بدون وسط وردي.

 

صديقي، هاي أنت! نحن مازلنا هنا نتابع، هل نسيت المكان الأبيض الواسع؟ المكتبة والحارس؟ جوزيف وشاشة العرض المقسمة إلى ثلاث مناطق؟؟ هيا استفق من اندماجك مع الشاشة وما رأيته، هذه فقط كأنت لمحات من حياة جوزيف هل تذكرته؟ أم أنك تخيلت نفسك مكانه؟! انظر لحال جوزيف الآن إنه يجثو على ركبتيه أمام الشاشة التي انبثقت من الحائط ورأى فيها صورة ضحكة لطفل، كيف يمكن لضحكة طفل أن تجعل شخصاً ينهار بهذا الشكل؟ لا يهم، انظر لجوزيف، إنه بدأ في النهوض ويتحرك نحو المكتبة، وقف أمامها طويلاً، ولأول مرة منذ قدومه توقف جميع العمال عن العمل ونظروا إليه جميعاً ثم تحرك أحدهم خارج المكتبة وقدم له كتاباً كبيراً بني الغلاف مكتوب عليه اسمه بخط ذهبي.

-         جوزيف بن سارا جاكوب يوري.

-         أنا هو.

-         هل تريد تعديل شيء؟

-         لا.. هذا أنا وأنا لن أهرب من نفسي.

حمل الكتاب وتحرك نحو الشاشة الكبيرة البارزة من الحائط وابتسم وقبل راحة يده ومسح بها على مقدمة رأس طفله الذي يظهر مبتسماً يحمل في يديه قطعة طين. وتحرك بعدها نحو الحارس الذي أنتهى من الكتاب المفتوح بين يديه و ألقى به جانباً ونظر إلى جوزيف مبتسماً وهو يعطيه كتابه بكلتا يديه وانحنى جوزيف ليلتقط الورقة التي ألقاها.

-         سؤالك الأول: هو من يختار ضحاياه، مهما قررت أن تذهب أنت إليه بإرادتك لن تفلح محاولاتك، هو فقط من يأتي إليك.

-         والثاني؟

-          فيلمٌ سينيمائي لن تتخطى دورك فيه مهما حاولت، أنت مشهد من مشاهد مترابطة ببعضها لن تدركها مهما زاد تركيزك في التفاصيل من حولك.

-         الأخير إذا؟

-         أجهل أن أصفه أو حتى أدركه، أنا طفل يحبو إليه أبكي دائما وأبتعد عنه دائماً وهو مازال يلاحقني ينصحني ويرسل سهام حبه لي وأنا مصر على البكاء.

فتح الحارس الباب ودخلت أنا معه و تركتك على الكرسي وأنت لم تلاحظ لإندماجك الشديد مع الموقف، لا تنزعج مني أعلم أنك تود معرفة ما وراء هذا الباب، لكن لا تتسرع ما هي إلا ثانية واحدة و سيأتي أحدهم..

–تمت-

 


Comments

Popular Posts