في المرة القادمة التي لن تأتي أبدا ..
وكأني كنت هنا بالأمس القريب ، ولكن الحقيقة أن آخر مرة زرت فيها هذا المكان يوم وفاة الحاج والد صديقي الذي اكتسب لقب صديق بفضل علاقتي بوالده .
مر عامان ولم تطأ قدمي
هذا المكان لم يتغير المحل كثيراً ، نفس الاهتمام الدقيق بالترتيب و
النظافة ، نفس التفاصيل التي كانت تصيبني بالضحك حيث لا يوجد بالمحل أية كرسي ،
وبالطبع بمرور الوقت والتعامل معهم فهمت جيداً المغزى وراء هذه التفاصيل ، الزبون
الواقف دائماً أسرع في الشراء وأسرع في المغادرة و أقل استهلاكاً للوقت و تعطيل لسير
العمل داخل المكان ، وهنا لا مجال للفصال بأية شكل من الأشكال مهما كانت مهاراتك
عالية في هذا الأمر لا يمكنك الفوز مطلقاً ، العلاقات التي تتكون كلها تبقي خارج
المحل ، عبارة عن سلامات متبادلة بين اصحاب المحال المجاورة في هذا الشارع الضيق
جدا المكتظ بالمحلات و الزبائن ، فقط بعض النكات اللطيفة التي تتكون بمرور الوقت وليست
وليدة علاقة عميقة حقيقية إنها فقط جاءت نتيجة مشاهد تحدث في المسرح الذي يتحرك
فيه الزبائن أمام أعين التجار حيث تتلاقي كلماتهم
وتُبني علاقتهم التي تنتهي فوراً دون استئذان عند دخول احد الزبائن للمحل .
اليوم أزور هذا المكان بحنين العشرة و رائحة
الماضي التي لا تدوم طويلا مع مرور الوقت , دائماً رائحة الماضي أقوي في الغياب , لكن
عند العودة تشعر أنك لن تشم هذا الرائحة بنفس العبق كما كنت تشعر بها في الماضي ,
الماضي للماضي وحده .
في الحقيقة كانت زيارتي في محلها لأن هذا
الصديق كان يحتاجني في طلب خاص بحكم وظيفتي الطبية التي كانت منشأ العلاقة الأبوية
وتبعاتها . تشاركنا في مدخل المحل بعض من
مواقف والده و بعض من الاوقات التي مرت
علينا إبان فترة علاجه , قطع هذه اللحظة شخص ردئ الهيئة ملطخ بالشحوم وبقايا
صناديق القمامة ، كانت لدية قدما مصابة يعرج بها و لحيته يبدو أنها لم تهذب لفترة
طويله من الزمن وقسمات وجهه ترسم بكل وضوح شقاءه الأبدي و لونه يشرح بشده كيف لعبت
الشمس به لعبتها المعهودة التي لا يجد عنها حائل مهما تستر تحت ظلال الكباري و
الأبنية المتهالكة .
بادرة صديقي بهجوم خفيف لطيف قاطعاً بذلك كل
الافكار التي كانت تدور في ذهن هذا السائل .
-
واقف بالأجرة والله ، الحج لما ينزل ابقي
تعالي يشوفك بأي حاجة .
كررها ثلاث مرات بثلاث نبرات صوتية مختلفة ،
في كل مرة كان السائل يحاول بداية كلامه يجد لكمة سريعة خاطفة تطرح به أرضاً حتي
أيقن الهزيمة و استدار خارجاً مٌحمل بدعوات صديقي أن " الله يسهلك الحال قريب
بإذن الله " انها أقرب الى حظ أوفر المرة القادمة التي لن تأتي ابداً .
تلك المواقف أميل نفساً لها بسرعة و تؤثر في بشدة ،أري أن ذنوباً قد تسقط بمساعدة كهذه أو
اتخيل منزلاً قد يسد جوعه وانا سبب في ذلك
، حاولت أن الحقه قبل أن يبتعد لكن صديقي منعني وبشدة .
-
هيتعود عليها وهيجي كتير وفي مرة هيبقى فيه زبائن يدس وسطهم ولا حاجة
والمحل مكشوف زي ما انت شايف .. مش ناقصين وقف حال.
في الواقع كانت لدية تبريرات لكل شيء وجهة
نظر واضحة مستندة علي خبرة تجارية متوارثه في العائلة . حسناً لم يكن أمامي سوى أن
أومأت برأسي أن " نعم " أنت علي صواب . وتخطينا
الموضوع سريعاً ظاهرياً ، لكن بداخلي كنت أنوي في اول جلسة لي علي المقهى أحكي لأصدقائي
عن هذا المشهد المضحك ونتبادل التفسيرات بكونه بخيلاً ونتندر عليه.
قبيل الغروب قليلاً كنت معتاداً في هذه البلد
-أيام عملي الأولى بها- علي المشي في كورنيش
نيلها حيث أنصهر داخلة و في يدي ساندويتش
شاورما مصري تسيل منه الطحينة و تتشارك الطماطم الساخنة و اللحم المتبل الرائحة و
تنتقل الى قلبي قبل الدخول في معدتي التي تفرش لكل قطمة سجاجيد حمراء تشبه سجاجيد أوسكار المعتادة .
في الحقيقة اطلب عدد لابأس به من الساندويتشات
و اتسكع بها متباطئ الخطى سريع النهم ، لم يشغلني يوماً أن يراني أحد في وضعية
اندماج تام مع كل قطمة وكل نسمة هواء تمر من بيني و من خلفي ومن أمامي و كأني أحد
ذراتها اتمايل معها أينما تمايلت ، الشمس من فوقي تسقط في احضان القمر لتغفو
قليلاً و القمر من خلفها يظهر متثائب معلناً بداية ورديته الرومانسية كل ليل علي كورنيش
النيل ، تمر تلك الاحداث وأنا في منتصفها تماماً و الساندويتش في منتصف معدتي يتم
استقباله بكل حفاوة ، أظن أني في لحظة كمال كنت اعيشها في الماضي وها هي تتكرر
يبدو انه يمكنك ان تعيد روائح الماضي مرة أخري بنفس العبق ، لكن ولأني اصبحت أخضع
لقانون الهواء و لأن النسمات الرقيقة تليها عواصف ، أتت العواصف بما لا تشتهي
كمالية مشهدي الخاص .
قط هزيل نحيف يملك في عينيه شراً مدفوعاً
بإحساس جوع يمكنك ملاحظته بسهولة عندما تنظر الى حالة القط ، يتحرك نحوي بخطوات
ثابتة وبتركيز لا يمكن تشتيته ، قط لا يستجيب لتهديدات شخص ضخم يحمل في يديه بقايا
طعام تفوح رائحته داخل صدر هذا القط المحمل ببقايا صناديق القمامة وشحوم السيارات
التي ينام في داخل ماكيناتها ، الأغرب أنها كانت تمشي علي ثلاث يبدو أن أحد
الاطفال ربط أحد أقدامها ونتج عنها إصابة مزمنة جعلها بهذه الوضعية التي تفقد بها
التعاطف عندما تقع بنظرك عليها للوهلة الاولى .
نقف أمام بعضنا البعض مثل "الكاو بوي"
، يحمل كل منا سلاحه في انتظار لحظة اطلاق الرصاص علي احدانا , ربت علي كتفي احد
المراقبين لهذا النزال قائلاً " أرمي لها قطعه تأكل "
لم اتوقع أن قدراتي علي التعلم و التقاط
المهارات من الآخرين سريعة لهذا الحد ، هاجمته بخطافية قائلاً " كدا مش
هتسبني في حالي و هتيجي تاني "
وقررت ان اجري مستغلاً عجزها و وفي أثناء جري
تحولت من كوني ذرة من ذرات النسيم الى هارب يحرك الرياح ويخترق النسيم ، وفي فمي
بقايا الطعام تتساقط علي الأرض وانا أردد مبتسماً " لما الحج ينزل ابقي تعالي
يا قطة "
في المرة القادمة التي لن تأتي أبداً .
Comments
Post a Comment