الطلاء الأزرق

 

" ما الذي فعلته بنفسي؟ " هكذا ظل يرددها طوال نومه حتى ايقظته الممرضة ليشرب بعض الماء عله يٌرطب جسده المحترق ،عيناه تهرب الى عوالم أخرى لا يدري أين هو ولا يود أن يدرك حقيقة واقعه .

 صاحب ال32 عام أصبح الآن سجين الفراش لما يقرب من شهر تقريبا ولا تحسن ،" لن اتحسن طالما بقيت هنا "  هذا هو رده عندما يٌسأل عن حاله . فتحت الممرضة باب غرفته  المطلية باللون الأزرق ، ظل ساعات طويله مٌمسكاَ بهذه المضخة المعبأة باللون الأزرق المُشبع بالبنزين يٌزين الحائط و الأبواب ، رن هاتفه المحمول  خرج من الغرفة تاركاً عدة العمل ليرد " ليس معي ما يكفي " هكذا أخبر زوجته عندما وجدها تطلب أشياء لا يقدر جيبه علي تحملها -رغم أنها المتطلبات الأدنى التي يجب ان تٌلبي -عاد الى ضخ الطلاء و  يبدو أن أحد الشعيرات الدموية في  وجهه  انفجرت نتيجة ضخ الدماء بشكل أزيد من المعتاد .

 وجهه ينسال منه الدماء جرح ينزف لم يجف بعد ، طلبت الممرضة الطبيب الخاص به ليحضر مسرعاً ، جسده مازال يحترق مازالت النار لم تخرج منه ، خرج الطبيب من الغرفة أشعل سيجارته " كان الأفضل الا ينقذوه " وهو ينظر الى المساحات الخضراء من النافذة و بجواره الممرضة خطفت منه السيجارة بعنف .

 جرى عليه أحد العمال معه في الشقة  ورمى من يده السيجارة " انت مجنووون " يصرخ وهو  يخلع معطفه ويحاول اخماد النيران المنتشرة في سائر جسده وفي الغرفة و الأبواب المطلية باللون الازرق  .

 احتشد الكثير من الناس واغرقوا العشب المحترق بمطفئ الحرائق ، نظر لها الطبيب وهو يضحك بسخرية " كان الأفضل أن تحرق صدري بدل من ذلك العشب الرائع "  قالها و هو يشعل واحدة أخرى و يرحل بعيداً عنها ،

 دخلت الى غرفته الزرقاء  مدت يدها بكوب من المياه تلامست فيه أناملهم ، كانت تقلبه ذات اليمين مرة و مرة أخرى ذات الشمال حتى لا تتخشب وتتجمد مفاصله يكفيه تجمد خطوط وجهه ، لا يمكنك أن تعرف ما هو شعوره او تاُره بالمواقف بمجرد النظر لوجهه كل ما ستراه هو آثار تشويه النار لقسمات وجهه .

اقتربت بوجهها من أذنه اليسرى و هي تحاول رفع رأسه من السرير قليلاً، أنفاسها الدافئة تداعب سخونة وجهه وكأنها تدغدغ ثلوج مشاعره  وتعيد  الى مراكز الإحساس بعض من وظيفتها دون أن تقصد ، تحركت يده المتشحمة والمربوطة بشاش  ببطيء نحو يدها و يحاول لمسها ، سقطت دمعه " لماذا تبكي؟ " سألته وهو يبعد يده عن يدها وهي تعيدها مرة أخرى  " لم أشعر بيدك رغم أني أراهما متلامستان " ، قبلت يده  فنظر اليها بابتسامة حاولت أن تشق ترعاً من الملامح في جرداء جلده المحترق ، نظرت اليه و اقتربت منه بشدة، عيناها اللامعة في عينيه المطفأة  " اين زوجتك ؟"  سألته بصوت خافت .. لم يرد فقط أطبق جفنيه، " ما اسمها " سألت وهي تفتح بيديها جفنيه   ..

-        مريم

-        هدية الرب هذا هو معني اسمها .

-        هذا سبب ادعي لكي لا اؤمن به .

قالها وهي تلامس بشفتيها شفتيه الجافتين . ظلت تقبله فتره لا يكاد يعرف لها بداية من نهاية فقط هي فتره رائعة طبيعية لم يشعرفيها بعجزه  ، قاطعهما صوت صراخ طفله في الغرفة المجاورة غرفة التغير علي الجرح او غرفة التذكير به .

  " لا تبكي يا صغيرتي واختاري أي منهما " و قدم لها قبضتيه  لتختار منهما ليفتحها ، اختارت اليسرى فتحت قبضته وجدت اللعبة التي طلبتها منذ أيام " انت افضل أب في الدنيا" قالتها وهي تقبله و هو يضمها الى صدره بقوة.

 " هذا يكفي "  قالت الممرضة  وهو يضغط علي خصرها بيده بقوة . " أعذريني " قالها  وهي تنزع نفسها من أحضانه. " لا تعتاد علي ذلك " قالتها وهي تهندم ملابسها  وتخرج من الغرفة .

 خرجت عيناه  كالعادة الى عوالمه وتساؤلاته التي لا إجابة لها ، عمله الذي انتهى و  زواجه الحديث الذي دٌمِر و طفلته التي ستٌيتم وهو علي قيد الحياه  ...  " ما الذي فعلته بنفسي؟"  ظل يكررها حتي غفلت عيناه .

" لن اتحسن طالما بقيت هنا " قالها للطبيب حين سأله عن مدى تحسنه .. نظر إليه الطبيب بحدة و أخرج ملفه من أحد الأدراج بجواره ، ثم وقع علي أحد الأوراق وأعطاها للممرضة ، نظرت إليه باستغراب لم يٌعرِها انتباه " وظيفتك الجديدة ستعجبك " قالها وهو يفتح باب اليأس وخرج .

انطلقت خلفه وشدته من ذراعه فسقطت القداحة من يده ، التفت إليها وعندما أدرك انها هي  انحني قليلاً ليلتقط قداحته و ينفخ من عليها التراب ، واستدار مكملاً طريقه.

-         لماذا ؟

-        لماذا ؟ أعتقد انه يجب أن يٌسأل هو هذا السؤال ، لماذا وانت متمرس في هذا العمل ان تخطيء بهذه الطريقة ، في حالة انه لم يقصد .

-        وبفرض انه أهمل ، لا يمكن ان يخرج علي هذه الحال .

-        هل ستتحملين أنتِ عواقب ان يقتل نفسه و انت مسؤولة عنه ، أنا اعطيه فرصة للحياة بالطريقة الوحيدة المتبقية له .

-        سينتحر إن خرج .

-        سيبُعث من جديد عندما يخرج.

 

" فقد الأمل وقرر اخراجي " قالها وهو يبتسم و جلده المتهالك والمشدود بفعل الحرق يقاوم الضحكة  لكن ارادته كانت أقوى ابتسم  بشده لدرجة ان بعض الدماء تساقطت من التشققات الناتجة من ابتسامته .

 اقتربت منه بمنديل وجففت دمائه  " اتركيها تسيل دعيها تثبت أني مازالت حي "  تركت الدماء تسيل و عيناه تراقب سقوطها علي الشاش الأبيض  فجاءته بقبلة في موضع خروج الدماء " الأولى كانت أفضل ، لا أحب قٌبل الوداع " قالها وهي تخرج من الباب المطلي باللون الازرق .. " اتركيه مفتوحاً لا أود أن أرى لونه ." قالها و هو يتابع خيالها  يتبخر .

" قراري كان صحيحاً " قالها وهو ينظر من النافذة المطلة علي الشارع حيث تحاول فتاة صغيرة استنفار عضلات يديها لتحرك كرسي متحرك يجلس عليه رجل يبدو انه والدها .

" أعتقد أنه يكفي شهر دون كلام بيننا وإلا غيري ورديتك معي  " قالها الدكتور للممرضة وهي تلملم أغراضها وترحل من مكتبه  " سأرحل " وهي تدير ظهرها له .

خرجت من باب المستشفى بصحبة إحدى صديقاتها تعبر الطريق شاردة حتي اصطدمت بشخص يجلس علي كرسي متحرك تدفعه فتاه تكاد تظهر من خلف الكرسي و هي تبكي و علي الكرسي راجل يضع قبعة علي فخذيه بها القليل من العملات المعدنية و القليل جداً من العملات الورقية ، كان يجلس منكمشاً كاشفاً وجهه المخيف  وجسده شبه عاري وكأنه يقصد  ليظهر  آثار الحرق . نظرت اليه وتلاقت عيونهم  وجهها اعتصر حمرة أما وجهه فلا يمكنك أن تعرف ما مدي تأثره . عادت بسرعة الى المستشفى  دخلت الي غرفة الدكتور  وجدته يشعل سيجارته  وضعت أغراضها في مكانها مره أُخرى ، وخطفت  منه السيجارة بعنف و تجرعت الكثير من النيكوتين بشده ولم تخرج دخانه .  

-تمت-

 

 

Comments

Popular Posts