اليوم السابع

 "اليوم السابع "

طول عمري بكتب عن حاجات شوفتها او عدت من جنبي ، النهاردة بكتب عن حاجة عيشتها وعبرت عنها لأول مرة ومش الأخيرة .
هذه التجربة الشخصية إهداء لأصدقاء الوحدة في مستشفي دمياط العسكري .
"اليوم السابع "
لحكمة ما خلق الله الكون في ستة أيام ، لحكمة ما أيضا يأتي يوم الجمعة بعد ستة أيام من العمل ليكسر إرهاق الأيام السابقة .
لم أكن أفكر في كل هذا إلا بعد تجربتي مع تصريح الإجازة الخاصة بفترة تجنيدي . في لعبة الشطرنج كل الحركات محسوبة بعناية بالغة , القطعة التي تتحرك تتطلب وقتا و تفكيرا عميقين كي لا يدٌفع ثمنها ، في الواقع الأمر لا يختلف كثيرا غير أن التحرك في الواقع يتطلب أمرا كتابيا مستوفي الشروط و الاختام . القأنون الثابت الوحيد هو قأنون ذلك الختم الذي يضيف لأي ورقة -لن تلتقطها من الأرض لو صادفتها – قدسية . القاعدة التي يمكنك أن تعتبرها القاعدة الوحيدة بلا شواذ هنا هي أن " السؤال ب لماذا سؤال بائس لا إجابة له "
كأنت مشاعري علي الحافة و دون اتزأن نفسي سأنهار بلا شك . تهدمت بداخلي كثيرا من المشاعر او لنقل ادركت حقيقة أن هناك جأنب آخر لم يمس قلبي بعد , رغم أني مررت بالكثير من التقلبات , لكن ما ادركته تمام الإدراك أنه يمكنك المرور بنفس الشعور مرات ومرات لكنه لن يغمرك في كل مرة بنفس الطريقة السابقة ، اختلافات عدة ابسطها الموقف قد تؤثر في استقبالك للسعادة و الحزن.
أعتقد ايضا أنك لن تدرك معني أن تغرز قدماك في السعادة او أن تصل الي النشوة حد الثمالة قبل أن تري هذا النور خارج اسوار وحدتيك "النفسية و العسكرية "
"لا تحكم علي مشاعرك طالما لم تجرب الحياة داخل هذا السور " .
في الحقيقة لا تحكم علي أي شيء قبل أن تلمس يديك تصريح إجازتك ، ورقة مربعة صغيرة في حجم نصف ورقة العملة ، مكتوب فيه ثلاث جمل متوازية فيها خلاصك المؤقت ، وتعويضك الجزئي عن المعأناة ، إعادة شحن لإعادة الاستعمال مرة أخرى ، و كل جهاز يٌشحن علي قدرة فترة عمله و طبيعته .
جندي / .......
تصريح غياب من الوحدة .
من يوم 12-1 سعت 06:00
الي 18-1 سعت 18:00
هل قمت بحساب عدد الايام المصرحة لك بالغياب ، بالطبع حسبة بسيطة للغاية يمكن لأخي الذي لم يدخل المرحلة الابتدائية أن يخبرك أنها سبعة أيام .
لنضيف تفصيلة أخرى ستخرج من وحدتيك الساعة السادسة صباحا من اليوم الأول و ستعود اليها في السادسة مساءا من اليوم السابع ، هل لاحظت شيئا ؟! قُص من إجازتك نص يوم كامل
.
سنضيف واحدة اخرى مكأن وحدتيك قد يبعد عن منزلك مسافة لا تقل بحد أدني عن ثلاث ساعات أي أنك في افضل الاحوال لابد وأن تكون مستعدا قبلها متمما علي كل أغراضك و اتبعت القواعد اللازمة في تهذيب شعرك و حلق ما نٌبت من لحيتك و تقصير ما طال من سالفك قد يطول استعدادك هذا الي أن يصل الي ساعة في افضل الاحوال . الأن نخسر اربع ساعات جديدة .
لنضيف تفصيلة أخرى ، يوم عودتك هو اليوم الذي تقاوم فيه عينيك و تلافيف مخك أن تستيقظ ، أنه أخر يوم تلامس فيه جبهتك الوسادة الخاصة بك و تشعر فيه بدفأ الغطاء ، ستخسر حينها علي الأقل ثمأن ساعات أخريات من يوم عودتك .
المجموع الحالي 12 ساعة أنت لم تشعر بها ، انت لن تنعم بهم كيوم إجازة عادي ، تبقي لك مثلهم في يوم العودة والمقرر فيه أن تعود في السادسة مساءا تكون داخل وحدتيك ، أي أنك ستبدأ يوم في الاساس مخصوم منه ست ساعات ستقضيهم في وحديتك ، تبقي لك ست أخريات تناشد فيهم عقلك أن يلهمك الصبر حتي تعود في إجازة أخري .
لم أري أن هذه الحسابات من قبيل الصدفة أبدا ، هذا اليوم ما هو إلا برزخ ينقلك مرة أخرى الى حياتك ما قبل الإجازة ، يوم يحميك من التغير المناخي المفاجئ ، يوم يخبرك فيه عقلك أنه تم شحن البطارية بنجاح و عليك الأن أن تعود .
في الطريق تتطاير أمام مخيلتك الأوامر ، الخدمات ، الاستيقاظ قبل الشمس ، العمل حتي غروبها ما بعد الغروب في أحيان كثيرة ، العودة حيث كل العساكر أنت ، حيث تراقبك في كل خطوة كاميرات مراقبة بشرية مصممة خصيصا لك وحدك .
"كنا جميعا نجتمع سويا دون أن ندري لنتشارك الوحدة "
اليوم السابع في اجازتك، هو يوم لا يمكنك أن تتذوق فيه طعامك المفضل ، لأنه الطعم الأخير قب الرحيل ، اليوم السابع عقارب ساعته حيات تلتف حول رقبتك لتمرر سمها بداخلك وأن تشاهدها تمر سريعة ولا حول لك ولا قوة ، وجهك الذي طالما اجتهدت في تزينه طوال عمرك الأن ادركت كما هو قبيح ، تهرب منه الدماء وتود لو أنك تملك نفس قدرة دماءك علي الهرب .
رغم ما يحيط بك من مشاعر المساندة والشفقة في بعض الاوقات ، أنت وحدك في النهاية سترحل و ستبقي مشاعرهم داخل صدورهم و سيبقون هم في الخارج في حياتهم يخرجون وقتما يشاؤون ، يتصرفون بالطريقة التي يحبون أن يتصرفون بها ، لن ينتظروا ورقة الخدمة و اسمك مدرج فيها ، لن يخشوا أن يستيقظوا متأخرا فينتهي الأمر بهم داخل السجن او أن يخصم يوم من إجازتهم القصيرة السريعة في الأصل .
كل يوم عودة الي وحدتيك هو يوم تغرز فيه اسنان افكارك السيئة داخل لحمك و دخل طيات مخك . كل يوم وأنت تقف أمام البوابة ،تمشي بقدميك بين الخط الفاصل ، بين الحياة و ال لا حياة ، النور و ال لا نور ، الصخب المفرح و الهدوء المزعج . الخط الفاصل بين إنسان و إنسان آخر بصفات و طباع أخرى .
الخط الفاصل بين الاوكسجين الذي من لحظة كنا نتشاركه مع الآخرين ، الآن أصبح غازا آخر في الخارج غير الذي نتشاركه نحن في الداخل .
يوم عودتك هو نفس اليوم كل يوم داخل هذا السور حتي يختم لك علي تصريح خروجك الأخير ، تصريح ال لا عودة .
اليوم 25-8 تصريح اجازتي حتي يوم 31 -8 ، تاريخ انتهاء خدمتي يوم 1-9 .
اليوم ستدرك فقط الحكمة في خلق الكون في ستة أيام ، لأنه في اليوم السابع قرر الرب أن بعطي فرص للخلق أن يتنفسوا لأول مرة، أن يجربوا الحياة لأول مرة .
تستيقظ في اليوم السابع و تدرك أنك لست مضطرا لأن تهذب شعرك او تحلق ما نٌبت من لحيتك ، لا تكون مضطرا لأن تجبر عينيك علي النوم مدة أطول ، اليوم ستأكل وأنت تشعر بكل ذرة توابل رغم أنه ليس الطعام المفضل لك . اليوم ستتحرك بعد الساعة السادسة مساءا دون أن تقلق من شهادة غياب و ما أدراك ما شهادة الغياب .
اليوم بعد الساعة السادسة سيولد مسيح جديد لا أب له ولا أم .
كريم عمرو- 1-9-2021

Comments

Popular Posts